جامعة الروح القدس-الكسليك
الجمعة 26 حزيران 2009
أيّها الحفل الكريم،
موضوع الميثاق الوطني لسنة 1943 هو من الأهمية بمكان في تاريخ لبنان المعاصر، ما حمل الكثيرين من المؤرّخين ورجال القانون على الكتابة فيه وعنه، واتخاذ المواقف منه.
لم يمر أمامي مرجع جدّي يرفض مؤلّفه هذا الميثاق أو ينظر إليه نظرة سلبية بهدف إلغائه.
من بين الذين درسوا ميثاق 1943 وكتبوا بشأنه، الأشخاص الذين ذكرهم الأب باسم الراعي في كتابه (إدمون رباط، ميشال شيحا، باسم الجسر، انطوان مسرّه، فريد الخازن، سليمان تقي الدين، الأب يواكيم مبارك، الإمام محمد مهدي شمس الدين، المطران جورج خضر، منح الصلح، المطران أنطون حميد موراني). ووددتُ لو وجدت بين هذه الأسماء: جواد بولس (لإطلاعنا على تأثير جغرافية لبنان على تكوين خصائص وشخصية وطبائع الطوائف اللبنانيّة)، ويوسف السودا (أب الميثاق الوطني اللبناني الأساسي المكتوب العائد لسنة 1938) (أي قبل خمس سنوات من ولادة ميثاق 1943 الغير مكتوب)، والدكتور عصام خليفه (مؤلف كتاب: من الميثاق الوطني اللبناني الى الجلاء 1938-1946).
أبادر بالقول أنني لن أقدّم دراسة تفصيليّة عن كتاب الأب باسم الراعي، لأنّ مثل هذه المهمة تستوجب وقتاً لا أمتلكه، لذا سأكتفي بعرض مختصر عن بعض ما ورد في الفصل الأول من الكتاب الذي فيه زبدة الموضوع، ولأنّ الفصل الثاني – على أهميّته – هو عرض لآراء أشخاص مميزين تؤكد الفرضيّة الواردة في الفصل الأوّل.
كما أسمح لنفسي بأن أعرض بعض ملاحظات شخصيّة.
أوّلاً:
أعتبر أنّ كتاب الأب الراعي هو كتاب مرجعي في موضوعه. ويوم انتهيت من قراءته بنصّه الأصلي بالفرنسيّة اتصلت بالأب الراعي وشكرته على اختياره ميثاق 1943 موضوعاً لأطروحته للدكتوراه في الفلسفة. وبعد قراءة ترجمة الكتاب إلى العربيّة أود أن أوجّه شكري إلى المترجم سيادة المطران يوسف ضرغام على ترجمته الممتازة التي جاءت تلبس بصورة جيّدة النص الفرنسي.
ثانياً:
إنّ الذين عرفتهم – ممن كتبوا مباشرة في الميثاق الوطني لسنة 1943، أو كتبوا عنه – قد عالجوا الموضوع إمّا بمنطق المؤرّخين، أو بمنطق رجال القانون، أو بمنطق علم السياسة. ولم يمر أمامي كتاب – وقد يكون موجوداً ولم أعرف به – يعالج الموضوع بالمنظار الجدلي الفلسفي كما فعل الأب الراعي، وهنا تكمن أهميّة الكتاب وربما فرادته.
عندما نقول أنّ كتاب الأب الراعي يعالج ميثاق 1943 بمنطق فلسفي وجدليّة فلسفيّة، نعني بذلك أنّه درس الميثاق من الوجهة التاريخيّة والقانونيّة، ولكن ليس كنهاية بحد ذاتها، بل كنافذة يقفز منها إلى ما وراء التاريخ والقانون، لينفذ إلى عمق جذور الميثاق الدينيّة والعقائديّة والفكريّة المكدّسة في الوجدان الخاص بكل من الطوائف اللبنانيّة الخمس التي تكلّم عنها الكتاب: الشيعة – الدروز – الأرثوذكس – الموارنة والسنّة، ولينفذ أيضاً إلى طبائع ونفسيّة هذه الطوائف. هذه الجذور والطبائع الخاصّة التي تكوّن خصوصيّة وشخصيّة كل طائفة وتحرّكها عبر خصوصيّتها باتجاه السلوك الوطني اللبناني العام، لتلتقي مع باقي الطوائف اللبنانيّة في ما يسمّيه الأب الراعي "بشموليّة مشتركة" 18) (Un universel commun) (20)) أي بروح ميثاقيّة عامّة، تجمع وتوحّد في ما بينها دون أن تصهرها.
ثالثاً:
وما يمتاز به أيضاً كتاب الأب الراعي تسلسله الفكري والمنطقي وتراتبيّة التحليل فيه والجدليّة الموثّقة التي يسير بها والتي يتوّجها بتعليقه الشخصي على آراء المفكّرين الذين استند إليهم ليثبت الفرضيّة التي انطلق منها.
فإذا أخذنا أولاً المقدّمة العامّة للكتاب وخاتمته المختصرة ودرسناهما، ثم درسنا بعد ذلك مضمون متن الكتاب (الفصلين الذين يتألّف منهما الكتاب)، نجد أنّ متن الكتاب وتحليلاته جاءت جواباً مباشراً على الأسئلة (questions) والإشكاليات المطروحة في المقدّمة، ثم نجد خلاصة متن الكتاب مختصرة في الخاتمة.
في مقدّمة الكتاب، طرح الأب الراعي – بمنطقه الجدلي الفلسفي "الإشكاليّة المركزيّة"(20)
((18) Problématique Centrale) الناتجة عن ميثاق 1943، ألا وهي "إشكاليّة التاريخ الجزئي"(20) أي الخاص بكل طائفة و"التاريخ العام"(20)، أي التاريخ الكلّي والشمولي للبنان، حيث تلتقي كل الطوائف لتؤلّف معاً – كما يقول الأب الراعي - "شموليّة مشتركة"(20)
(18) Universel Commun) "... تساعد على قيام مشروع عيش معاً بين الجزئيّات ... يمكن اعتباره كمشروع سياسي"(20)
رابعاً:
يعتقد الأب الراعي – كما ظهر لي - بأنّ كل "تاريخ جزئي"(20) عند الطوائف، يحتوي في ذاته، على "عنصر شمولي"(20) مترسّخ في وجدان كل طائفة يسيرها نحو "التاريخ العام"(20)، لذلك نجد لدى الأب الراعي، منذ المقدّمة، همّ يقلقه هو:
"إظهار الدور الإيجابي للطوائف كوظيفة دمج عشيّة ولادة الميثاق مؤسّس الهويّة اللبنانيّة وكتدعيم داخلي لمشروع الدولة"(20)
ولمعالجة "الإشكاليّة المركزيّة" (20) Problématique Centrale(18) التي طرحها والجواب على الأسئلة التي أثارها وليعالج الهم الذي يقلقه، قسّم الأب الراعي مجمل كتابه إلى فصلين:
الأول
عنوانه: "وجدان وهويّة وتاريخ الطوائف في لبنان إزاء ميثاق 1943"(21)الثاني
عنوانه: تقبّل ميثاق 1943 (21)
خامساً:
سأكتفي كما قلت بالتوقّف عند بعض ما جاء في الفصل الأول.
في الفصل الأول عرض الأب الراعي باختصار ولكن ببراعة تاريخ الطوائف اللبنانيّة الخمس التي ذكرنا والثوابت التاريخيّة والوجدانيّة لكل منها. ونفذ من خلال التاريخ الخاص بكل منها إلى خصوصياتها النفسيّة وتكوين وجدانها الذاتي المميّز ((40) Conscience de Soi)
وطبائعها وشخصيّتها التاريخيّة والروحيّة والطوائفيّة-الدينيّة، ثم انتقل من مهمّة العرض إلى طرح الإشكاليّة التاريخيّة والوجدانيّة عند كلّ منها. وكما سنرى أنّ هذه الخصوصيّات التاريخيّة والوجدانيّة تشكّل لدى كل طائفة الثابتة (Constante) لوعيها لذاتها ((40) Conscience de Soi) ولوجدانها الخاص الذي يميّزها عن وجدان وخصوصيّات باقي الطوائف.
كما يعرض الأب الراعي كيفيّة تطوّر الوجدان الخاص عند كل طائفة من الخاص بها إلى العام، ليصبّ في الوجدان الوطني اللبناني العام، مع المحافظة على خصوصيّتها.
يكفي أخذ نموذجٍ أو نموذجين من الطوائف
سادساً:
من كل ما تقدّم أكون قد عرضت بعضاً مما جاء في الفصل الأول من كتاب الأب الراعي كما فهمتها. فآمل أن يكون فهمي قد تطابق مع ما قصده الأب الراعي في كتابه النفيس.
بعد أن أعطانا الأب الراعي الصورة التي عرضت، استمر بالتحليل والتدقيق والتوثيق وأعطانا صورة بانورامية ملونة أخرى، مكملة للتي عرضت، وربما أهم منها، ألا وهي صورة عن وقائع كيفية تطور التاريخ الخاص الجزئي لكل من الطوائف اللبنانية الخمس باتجاه "التاريخ العام"(20) الكلي وعن كيفية تطور الوجدان الخاص والجزئي بكل منها باتجاه الوجدان اللبناني العام الكلي، وعن كيفية تطور الضمير الجماعي الخاص بكل منها الى الضمير الجماعي اللبناني العام الكلي. وبمعنى آخر يكون الأب الراعي قد أعطى صورة بانورامية عن تطور الجدليّة عند الطوائف من "جدلية بين الجزئي والكلي" (27) (23) Dialectique du particulier à l'universel" لتصب في "الشموليّة المشتركة".
وهكذا تكون هذه التواريخ والوجدانات الخاصة الجزئية قد انسكبت كلها في تاريخ لبنان العام الكلي، والوجدان الوطني اللبناني العام والكلي،
والوجدان الجماعي اللبناني العام والكلي. وتكون كل هذه الخصوصيات قد تطورت وانصبّت كما يقول الأب الراعي في "شمولية مشتركة"(20) لبنانيّة ((18) un universel commun") تجمع كل طوائف لبنان في وحدة لبنانية تضم الجميع ولا تستثني أحد. وحدة جامعة لا وحدة صاهرة اندماجية تزيل الخصوصيات، الأمر الذي يبقي لبنان بمصاف "رسالة" للعالم، بكون شعبه هو نموذج بشري تعددي مميز، ولكون لبنان هو مختبر إنساني فريد لتلاقي وحوار الأديان والمذاهب والخصوصيات والثقافات وأيضاً الحضارات.
والآن ومن وحي كتاب الأب الراعي سأسمح لنفسي بثلاث ملاحظات:
ملاحظة أولى:
كتاب الأب الراعي جاء يؤكد لي ما هو راسخ في قناعتي وأعلنه في محاضراتي الجامعية في القانون الدستوري من أنّ لكل طائفة لبنانية شخصيتها التاريخية وهويّتها الثقافيّة والدينيّة والمذهبيّة وطبائعها ووجدانها الديني الخاص ضمن الدين الذي تنتسب إليه، يجمعها بلبنان وجدان عام موجود لدى كل منها هو جزء من تكوينها. وعبثاً يحاول البعض تحويل لبنان مِمّا هو عليه ويمتاز به. أي وطن جمع متناغم لهذه المجموعات التارخية المتأصّلة فيه إلى وطن دمج لها في وحدة لا طوائفية كاملة أو في طائفة لبنانية علمانية واحدة تزيل الخصوصيات والتعدد. وجل ما يمكن فعله هو توحيد – لا دمج – هذه الطوائف بقاسم مشترك هو وحدة وطنيّة مدنية (Civile) جامعة تقوم على أساس المواطنية الجامعة من جهة وعلى احترام خصوصيات المجموعات الطوائفية من جهة ثانية.
ملاحظة ثانية:
كتاب الأب الراعي قد زادني يقيناً من أن طبيعة نظام لبنان هي فدرالية شخصية fédération personnelle، أي اتحاد طوائفي Union de communautés، وبمعنى دستوري أكثر دقة هو فدرالية طوائفية Fédération de communautés.
فلبنان الواحد الموحد جغرافياً وبشرياً بدلاً من أن يكون مقسماً إلى دويلات أو مقاطعات جغرافية كما هي الحال من دول الفدرالية الجغرافية (سويسرا) هو دولة واحدة موحدة موزع شعبه في داخله إلى وحدات بشرية طوائفية مميزة لكل منها استقلاليتها في أمور متعددة (ممارسة شعائرها الدينية – أحوالها الشخصية – مدارسها...) ومتحدة مع بعضها بفدرالية طوائفيّة ضمن الدولة الموحّدة والوحدة الوطنية.
كثيرين غيري – وبعضهم قبلي – اعتبروا أن نظام لبنان هو فدرالية طوائفية fédération de communautés أو ما شابه، أذكر منهم ثلاثة على سبيل المثال: الأب جبرائيل مالك، ادمون رباط، كمال جنبلاط.
ملاحظة ثالثة:
من المعلوم إنّ ميثاق 1943 غير المكتوب ليس إلا أحد المواثيق التي حصلت في لبنان في حقبات مختلفة من تاريخه، نذكر منها اثنين:1- عامية انطلياس لسنة 1840 التي أفرزت ميثاقاً مكتوباً
2- الميثاق الوطني اللبناني الأساسي المكتوب العائد لسنة 1938 (أي خمس
سنوات قبل ميثاق 1943) الذي وقعته مجموعة من 27 شخصاً من الوجوه الوطنية
اللبنانيّة التمثيليّة والثقافية المميزة من كل الطوائف.وهذا الميثاق الوطني العائد لسنة 1938 أطلق فكرته يوسف السودا وقد سعى لإيجاده وتحقّق بهمّته وعناده وقد عقدت بشأنه الاجتماعات بين 10 آذار 1938 و6 أيار 1938 (خليفه 18 ) في منزل يوسف السودا وتم توقيعه في هذا المنزل بتاريخ 18 آذار 1938.
لقد ألّف الدكتور عصام خليفه كتاباً عن ميثاق 1938 عنوانه "من الميثاق الوطني اللبناني الى الجلاء 1938 – 1946". وإني أعتقد – مع الدكتور خليفه – أنّ مفعول ميثاق سنة 1938 كان كبيراً وقد "استمر تأثيره على المستوى السياسي والشعبي حتى المرحلة اللاحقة " (خليفه 26) وإن ميثاق 1943 الذي حصل نتيجة إجتماعات بين رياض الصلح والشيخ بشاره الخوري - على أهميته وعظمته – "نعتبره تطبيقاً لخط الميثاق الوطني الأول وترجمة سياسيّة له" (خليفة 27).
بمعنى آخر إن ميثاق 1943 يعتبر "الصيغة السياسية" (خليفه 27) لميثاق 1938. هذه الصيغة "التي تم فيها تقاسم النفوذ في السلطة من أجل نيل الاستقلال وهكذا فالميثاق الوطني، هو وليد العام 1938 وهو الذي رسخ أسس الدولة اللبنانية وجسد وحدة الارادة الوطنية، بينما اتفاق عام 1943 هو صيغة سياسية تم فيها التفاهم على كيفية توزع المنصب بين ممثلي الطوائف في هذه الدولة..." (خليفة 27 ).
في الخلاصة، أشكر مرّة أخرى الأب باسم الراعي على وضع هذا الكتاب المرجعي، وأشكر سيادة المطران يوسف ضرغام على ترجمته، وأشكر بصورة خاصّة "المركز الماروني للتوثيق والأبحاث" على اختيار هذا الكتاب ونشره كباكورة لما سينشره المركز لاحقاً، وعلى النشاط العلمي الذي يقوم به المركز برئاسة وإشراف سيادة النائب البطريركي المطران سمير مظلوم وبهمّة المونسنيور كميل زيدان وعناده من أجل إنجاح المركز، وببركة ورعاية غبطة أبينا البطريرك الذي أنشأ المركز، وعلى اهتمامه لدؤوب به. كما أشكر جامعة الروح القدس، هذا الصرح العلمي العظيم، على استضافته هذه الحلقة وأتمنّى لها أن تبقى مصدراً مميّزاً للنهضة العلميّة الحديثة في لبنان.