Friday, March 27, 2009

شرعة العمل السياسي التي أعلنتها الكنائس اللبنانية لم تطلق دينامية حتى اليوم من المسؤول عن متابعة تنفيذها ؟ وأي تأثيرات لها عشية الانتخابات النيابية

النهار - الجمعة 27 آذار 2009 - السنة 76 - العدد 23651 - تحقيق


طوني أبي نجم- شرعة العمل السياسي التي أعلنتها الكنائس اللبنانية لم تطلق دينامية حتى اليوم من المسؤول عن متابعة تنفيذها ؟ وأي تأثيرات لها عشية الانتخابات النيابية ؟


أعلنت "شرعة العمل السياسي في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان" في 5 آذار الجاري، وبقيت جملة أسئلة: ماذا بعد إعلان الشرعة؟ ما أهدافها؟ وهل انتهت مفاعيلها بعد ساعات من إعلانها؟ ما الخطوات اللاحقة؟ وأي تأثير للشرعة التي تبنتها كل الكنائس في لبنان على الحياة السياسية انطلاقا من الانتخابات النيابية المقبلة؟


"بعد التشاور في ما آلت اليه الحياة السياسية في لبنان، رأت الكنيسة، بكل طوائفها، ان من واجبها تثقيف الضمائر، فأعدت على مدى أشهر وثيقة سمّتها "شرعة العمل السياسي، في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان"، نظراً الى الحاجة اليها في الظروف الراهنة الداخلية والاقليمية والدولية، ولما يجب ان تكون عليه الممارسة السياسية كي لا تنحرف عن جوهرها واهدافها ودورها في خدمة الانسان والمجتمع.
وبما ان للكنيسة، في الشؤون الانسانية، خبرة طويلة عبر الاجيال، مستندة الى تعليم واسع ومعمّق في الاجتماع والتربية والثقافة والانماء والاقتصاد والسياسة، كان لا بدّ من نشر تعليم يعزز الثقافة السياسية كفنِ نبيل في خدمة الشخص البشري والخير العام. وكان من الضرورة ابراز خصوصية لبنان الوطن والكيان، الميثاق والصيغة، من اجل الالتزام معاً في اعادة بنائه على اسس ثابتة ليستعيد استقراره ودوره في الاسرتين العربية والدولية.


تهدف "الشرعة" الى تعزيز تربية وطنية وتنشئة على المواطنة في المدارس والجامعات، في العائلة والمجتمع، في المجالس الرعوية والمنظمات الرسولية واللجان العاملة في الرعايا والابرشيات.
وتتطلع الكنيسة الى التعاون مع الاعلاميين بتنظيم ندوات حول "الشرعة" بمؤازرة اللجنة الاسقفية لوسائل الاعلام؛ والى عقد خلوات روحية مع احاديث حول مضمونها، تُدعى اليها فئات متجانسة من السياسيين والنقابيين والشباب والنساء والهيئات الاهلية، من اجل شهادة مسيحية بنّاءة في الشؤون الزمنية، وحسن الاداء السياسي في الخدمة العامة.
ولا بدّ من تكثيف اللقاءات بين المسيحيين والمسلمين من اجل تعزيز الثقافة الوطنية الجامعة والتزام العيش بموجبها. فالاوطان تُبنى بافكار ابنائها وارادتهم وقلوبهم وسواعدهم".
هذا ما جاء في تقديم الشرعة كشرح حول أسباب إصدارها. ويقول النائب سمير فرنجية: "أهمية الشرعة أنها صدرت وحددت خيارات أساسية على مستويين: المستوى الأول سياسي ويتجسد في خيار تحييد لبنان عسكريا، وهذا الشعار هو في مواجهة شعار لبنان - الساحة، وهو المدخل لقيام لبنان كدولة.
أما المستوى الثاني فهو أخلاقي، لأن الشرعة وضعت ضوابط للعلاقة بين الناس ولا سيما بين السياسيين".
ويضيف فرنجية "وأهمية الشرعة أنها عمّمت مفاهيم المجمع البطريركي الماروني، وخصوصا لجهة تطوير الدولة ومفهوم العيش المشترك بطرحها مسألة الدولة المدنية الذي أصبح اليوم شعارا معمّما، وخصوصا بعدما تبناه رئيس الجمهورية في خطاب القسم".


ضوابط... الحد الأدنى


أمين سر "تكتل الإصلاح والتغيير" النائب ابرهيم كنعان يشير الى أن "أهم ما في الشرعة هو وضع أسس للتعامل السياسي، وخصوصاً بين المسيحيين، والتعامل بين مكونات المجتمع السياسي بحيث تكون هناك ضوابط تحفظ احترام حق التنافس السياسي واحترام حرية الممارسة وتكرّس حدا أدنى من الالتزام الديموقراطي والأخلاقي بالمبادئ الديموقراطية التي تقوم على الاعتراف بإرادة الناس بعيدا عن أي عنف، سواء الكلامي أو المادي، وهذا من الأمور المهمة التي يجب متابعتها".
ويقرأ الأستاذ المحاضر في القانون الدولي الدكتور أنطوان صفير في الشرعة "أساسا موجها يجب أن يعود إليه أهل السياسة والفكر السياسي في لبنان، مسيحيين وغير مسيحيين، ليشكل إطارا يحدد نظرة الكنائس في لبنان الى دورها وعلاقتها بمفهوم الدولة ونظرتها الى تطوير الحياة السياسية عبر تفعيل المؤسسات الدستورية وتعميق ثقافة الديموقراطية من خلال جملة أطر ومفاهيم ومبادئ ونظريات تضمنتها الشرعة، وهي في مجملها تأكيد متجدد من الكنائس للدور الذي يضطلع به المواطن في فترات مفصلية كالانتخابات النيابية المقبلة، والمسؤول أيضا في خضم الاصطفافات والتنازع على المواقف والمواقع. ومن المستغرب في هذا السياق ألا نسمع أصواتا عالية من قادة الرأي وأهل السياسة تتبنى الشرعة بما أرسته من توجيه وطني عام وتثقيف سياسي يحتاج إليهما مجتمعنا اليوم، بعدما ضاعت التحديدات في السياسة والقانون وعلم الاجتماع السياسي.
هكذا جاءت الشرعة لتضع جملة تحديدات حول مفاهيم الحرية والعيش المشترك والديموقراطية حتى وصلت الى المطالبة بإرساء أسس الدولة المدنية الديموقراطية. وقد وضعت هذه الشرعة خريطة طريق للمرحلة الحالية والمقبلة انطلاقا من نظرتها الى المساءلة والمحاسبة عبر الانتخابات النيابية. وهذه الوسيلة تعتبر الأكثر فاعلية إذا عرف المواطن كيف يستعملها للوصول الى تحقيق الأهداف الكبرى، وفي طليعتها بناء الدولة العصرية التي ترتكز على احترام سيادة القانون، وتكون الغلبة فيها لمنطق الحق".


هل من إطار للمتابعة؟


وإذا كان التوافق كبيرا، على الصعيد النظري على الأقل، بين مختلف الأفرقاء السياسيين حول أهمية الشرعة كوثيقة تاريخية تضع أسسا للعلاقات السياسية بين السياسيين وبينهم وبين المواطنين، إلا أن السؤال الكبير الذي يبقى مطروحا على بساط البحث بقوة هو: كيف يمكن متابعة هذه الشرعة في اتجاه الدفع لتنفيذها ما يؤدي الى إراحة الساحة السياسية، وخصوصا المسيحية تحديدا؟
فرنجية يجيب "لا شك في أنه، وفي اللحظة الانتخابية التي نمر بها حيث الطموحات والأطماع تزداد بشكل طبيعي، ثمة صعوبة في تطبيق الشرعة التي لم توجه الى السياسيين حصرا بل أيضا الى الناخبين. لذلك فإن وضعها موضع التنفيذ قد يكون أسهل من القاعدة في اتجاه الرأس. فهذه الشرعة رسمت خريطة طريق للناخبين تسهل عليهم تحديد خياراتهم انطلاقا من المبادئ الأساسية، ووجودها من المفترض أن يجعل المرشحين في غنى عن استنفار العصبيات الضيقة والمناطقية والعائلية أو حتى استغلال الأوضاع الاجتماعية للناخبين. وأهمية الشرعة أنها تتوجه الى ضمير الناخب. والشرعة في ظل الوضع الحالي يمكن أن توسع إطار الانتخابات من حصر البعض لها في زاوية تحديد الأحجام السياسية والحزبية أو الزعاماتية الى تحديد الخيارات السياسية على مساحة الوطن".
كنعان من جهته يرى أن "متابعة ملف الشرعة يكون بين المسيحيين أولا، كون الاختلاف والتنافس الديموقراطي في الانتخابات المقبلة ينحصر تقريبا في الدوائر ذات الأرجحية المسيحية. وقد تكون المتابعة عبر إقامة نوع من التواصل المستمر بين مختلف الأطراف المسيحية المختلفة أولا يتخطى الحواجز السياسية والخلافات أيا تكن وذلك بإشراف الكنيسة".
ويؤكد صفير أن "الشرعة تشكل صوت ضمير بما للكنيسة من دور توجيهي وتثقيفي في الحياة السياسية والاجتماعية، وهذا ما لا يمكن للكنيسة أن تستقيل منه. والشرعة لم توجد كفكرة في الأساس وكنص ملموس اليوم لتضيف مادة الى الفكر السياسي والوطني، بل هي دعوة صريحة لتتم مناقشتها ويجري تحليلها وبحثها والعمل بها لأنها ليست نصا سياسيا أو برنامجا يخص جماعة أو مجموعة محددة دون سواها".
فرنجية يشير الى أنه" وكون الوثيقة صدرت عن كل الكنائس في لبنان، فإن ذلك يرتب مسؤولية على رجال الدين أولا للالتزام بها وتعميمها على الأبرشيات والرعايا وجميع المؤمنين. وكذلك المسؤولية كبيرة على عاتق السياسيين للعمل على ترجمة هذه الشرعة سياسيا وجعلها قابلة التنفيذ والتزام مضمونها. وثمة مسؤولية أيضا على كل من يتعاطى الشأن العام من إعلاميين وناشطين وباحثين ليأخذوا مضمون الشرعة نحو التنفيذ الفعلي. وعلى سبيل المثال فإن بند الدولة المدنية يحتاج الى أبحاث معمقة ولا يجب أن يبقى شعارا".
كنعان لا يرى من إمكان عملي حاليا للمتابعة "إلا من خلال المفهوم الأخلاقي (morale) للكنيسة وانتظار الانتهاء من الانتخابات لإطلاق ورشة عمل تشارك فيها كل القوى المهتمة، لأن ثمة إمكاناً لرسم خريطة القوى من جديد في الانتخابات النيابية المقبلة. فحتى نغمة 14 آذار و8 آذار التي تتناقض عناوينها مع مضمونها انتهت، وحتى في الشكل، بعدما كان انتهى مضمونها منذ فترة. ونقول أنها سقطت حتى في الشكل بسبب كل ما نراه على صعيد تشكيل اللوائح داخل الفريق الواحد. لذلك نرى أنه يمكن متابعة بعض الأمور في الشرعة قبل الانتخابات، لكن الأساس السياسي والمضمون تبقى متابعته أجدى بعد الانتخابات".


من يتناقض مع الشرعة؟


كنعان لا يرى "تناقضا بين المبادئ التي طرحتها الشرعة وبين ما يطرحه "التيار الوطني الحر" الذي يتفق معها تماما في في العناوين، إنما يدرس المسار العملي للوصول الى تطبيقها.
فلا يمكن الكنيسة أن تحدد أو أن تضع الآلية المطلوبة لتحقيق المبادئ، ويحق لكل فريق سياسي أن يدرس استراتيجيته لتحقيق العناوين الكبرى، ولو اختلف في التكتيك مع الكنيسة. وأنا شخصيا أحترم كل المواقف التي تصدر عن السلطة الكنسية ولو كانت تتعارض مع أسلوبي في العمل السياسي".
فرنجية يشدد على ان "ثمة مشكلة ما بين هذه الشرعة وبين خيارات بعض الأطراف السياسية المسيحية. فعلى سبيل المثال الشرعة لا علاقة لها على الإطلاق بورقة التفاهم بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، ولا علاقة لها أيضا بورقة الاستراتيجية الدفاعية التي قدمها النائب العماد ميشال عون. كما لا علاقة لها بالزبائنية السياسية التي يعتمدها سياسيون من جهات عدة ولا بالعصبيات الطائفية التي يستغلها قسم آخر. وهذه الشرعة تحاول معالجة الأزمة العميقة الموجودة عند المسيحيين، وخصوصا عندما يصبح فريق منهم غير معني بقيام الدولة ويتحول فريقا مساندا لخيارات خارجية. وهذه الشرعة وجدت أيضا لأن فريقا من اللبنانيين بات يعتبر ان الاحتكام الى الدولة ومؤسساتها مرفوض ويذهب في اتجاه شعبوي خطير. فالكلام الذي نسمعه هذه الأيام لم يشهد لبنان مثله حتى في أيام الحرب، وهو يؤدي الى ضرب نظام القيم الأساسي في كل مجتمع. لذلك أجزم بأن الشرعة أساسية قبل الانتخابات لأنها تحدد الخيارات الكبرى، وينبغي أن تشكل دليلا عمليا لجميع السياسيين على مختلف اتجاهاتهم. ومن الأهمية بمكان ألا تكون الشرعة مرجعا نظريا بل مرجعا عمليا وسياسيا لتشكل الدليل الأبرز على استعادة المسيحيين عافيتهم من خلال استعادة المبادرة في معركة استرجاع البلد والدولة سنة 2009، بعدما كانت الكنيسة أطلقت معركة استعادة السيادة عام 2000. وخارج هذه الشرعة ثمة خطر جدي في تهميش المسيحيين بحيث يفقدون دورهم ويتحولون ملحقين في موقع رد الفعل لا الفعل".
صفير يركز على ضرورة أن "نهتم كمواطنين بالبحث في مضمون الشرعة من دون التموضع في خطابات سياسية معتمدة ومستهلكة. ولذلك يجب أن يدرك المواطن والمسؤول على حد سواء أن هذه الشرعة هي خارج طموحات الأشخاص والأحزاب والتيارات، ما يعني أن اي تناقض مع مبادئها يجب أن يشكل حافزا للمتناقضين معها ليعيد كل منهم النظر في ما تبناه من مواقف وما يلتزم به من أفكار ومبادئ وما يعمل له من أهداف، وذلك للعودة الى ضميره الداخلي فيعيد ترتيب أفكاره وثوابته ويقف أمام ما تضمنته الشرعة ليحدد ما إذا كان موقفه اليوم سيرتد عليه وعلى الوطن بالويلات في الغد".

الديموقراطية التوافقية والحياد الإيجابي في شرعة العمل السياسي

MCDR News Home

النهار - الجمعة 27 آذار 2009 - السنة 76 - العدد 23651 - منبر - الصفحة الثامنة

السفير سمير حبيقة - الديموقراطية التوافقية والحياد الإيجابي في "شرعة العمل السياسي"


"حسنا فعل معدو "شرعة العمل السياسي" في "المركز الماروني للتوثيق والابحاث" و"اللجنة المشتركة للكنائس المسيحية في لبنان"، باعتمادهم مبدأين اساسيين من المبادئ السياسية التي شرع لبنان اخيرا في استلهامها والسير في هديها بخطى متسارعة ولكنها حذرة في هذه المرحلة المفصلية من مراحل تاريخه المعاصر. فلكأنه كثير على الوطن الصغير ان يبقى نظامه السياسي في طور النشوء والتكوين، وان يعيش ابدا في التوازن اللامستقر، وان يتخبط باستمرار في الادوار التجريبية، بحثا عن الصيغة المثلى التي تتلاءم وطبيعته المعقدة، وتجسيدا للرسالة الحضارية التي يضطلع بها في محيطه العربي والعالم، حتى اذا ما بلغها يوما، واستوى به المقام في زمن الاستكانة والاستقرار، ادرك ما يصبو اليه من توازن مستدام، به وحده يكون ارتقاؤه في معارج النمو والتطور والازدهار.


حسناً اذاً صنع واضعو الشرعة باعتمادهم اولا مبدأ الحياد سياسة للبنان على الصعيد الخارجي، ثم في اعتمادهم ثانيا مبدأ الديموقراطية التوافقية نهجا للحكم السوي على الصعيد الداخلي. فقرنوا الحياد بالتوافق، واضاؤوا على الجدلية القائمة ما بين هذين المفهومين، والتلازم الذي يجمعهما، حتى ليبدوان وكأنهما وجهان لعملة واحدة: فلا توافق من دون حياد، ولا حياد من دون توافق، وفقا للصيغة المبتكرة التي ابتدعها واضعو اتفاق الدوحة وموقعوه، وما نص عليه من انتخاب رئيس للجمهورية توافقي، وتأليف حكومة ائتلافية، تضم الاكثرية والاقلية في آن، من دون ان تعطى الارجحية فيها لاي من الفريقين، مدركين ان حكومة فيها الغلبة لهذا الفريق الداخلي او ذاك، في ظل الانقسام الحاد في ما بينهما، كيف لها ان تلتزم الحياد في السياسة الخارجية؟ او كيف لحكومة منحازة لهذا المحور الخارجي او ذاك، ان تكون حكومة توافقية؟ فالتوافق الداخلي اذاً ينعكس في الخارج حيادا، والحياد الخارجي ينعكس في الداخل توافقا. إلا ما كان محط اجماع مسبق لدى اللبنانيين جميعا، عنينا الموقف الواحد الموحد من الصراع العربي – الاسرائيلي والتزام الجميع بالقضية الفلسطينية، وانحيازهم الى إحقاق الحق، مما يضفي على الحياد اللبناني طبيعته الناشطة وطابعه الايجابي المنشود.


ذلك ان الحياد الذي تحدثت الشرعة عنه، ودعت اليه، انما هو هذا الحياد الايجابي بالذات، المنخرط في القضايا العادلة، الملتزم شرعة الامم المتحدة وجامعة الدول العربية، المنضوي تحت لواء الحق الانساني. وهو اذ يقوم بحسب الشرعة، على "الابتعاد عن سياسة المحاور الاقليمية والدولية، وعدم التمحور في احلاف خارجية، يسعى الى حل عادل للقضية الفلسطينية مرتكز على قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة"، ويحرص على "الانفتاح والتفاعل مع المحيط العربي، متجنبا في آن الذوبان في المشاريع الوحدوية، او اللحاق بالتبعية الغربية"، (صفحة 22 فقرة ب، وصفحة 46 مادة 18، وصفحة 50 مادة 24/ أو صفحة 51 مادة 28/ أ). ولان الحياد لا يقوم ولا يدوم الا اذا كان حيادا مسلحا، يدافع عن نفسه بنفسه، وقادرا على صد اي اعتداء، وفق ما بينته التجارب الحيادية في سويسرا والنمسا وفنلندا او سواها، فلقد دعا اصحاب الشرعة الى "تحييد لبنان مع تعزيز قدراته الدفاعية (ص 320/ ب) والى "تعزيز الثقة بقواه المسلحة، وتوفير الدعم لها، وتجهيزها، وتشجيع الشباب على الانضواء تحت لوائها (صفحة 27/2) وكرروا الدعوة في الصفحة 52/ ب الى تعزيز القوى الشرعية المسلحة القادرة على حماية الجميع، فتزول الحاجة الى اي استثناء. فاذا ما عطفنا هذه الفقرة على ما ورد في الشرعة حول "ضرورة حصر السلاح بالقوى الشرعية اللبنانية، واخضاع المهمات الدفاعية والامنية لقرار السلطة السياسية من دون سواها (صفحة 37 فقرة 2) وايجاد حل لمشكلة السلاح داخل المخيمات وخارجها (صفحة 37 فقرة 1)، لعلمنا اية استراتيجية دفاعية وطنية، واية دولة قادرة وعادلة، تطمح الشرعة الى تحقيقها.


انها العودة بشكل او بآخر الى ميثاق العام 1943، حيث لا شرق ولا غرب، ولا خضوع لانتداب، ولا ذوبان في وحدة. ما خلا مقولة ان قوة لبنان في ضعفه، التي استبدلت بان قوة لبنان في "جيشه القوي القادر على حماية الجميع". وهو ما بات عند اللبنانيين يشكل قناعة راسخة، فرضتها عليهم التوازنات القائمة في ما بينهم، كما املتها عليهم المعادلات الدولية، وموازين القوى الاقليمية. حتى امسى الخروج عليها اخذا بالبلاد نحو الهاوية. وهذا ما ادركه الجميع اخيرا، وما نادوا به، وما اجمعوا عليه. كلهم طالبوا او باتوا يطالبون بالابتعاد عن سياسة المحورين وعدم الانحياز نحو اي من المعسكرين. حزب الله نفسه على لسان امينه العام برر مطالبته بالثلث الضامن بالقول "ان اعطونا الثلث الضامن فنحول دون انحياز الدولة نحو المحور السعودي الاميركي، وتحول اكثريتهم دون انحيازهم نحو المعسكر السوري الايراني". السيد وليد جنبلاط، امام لجنة المتوسط في الاشتراكية الدولية، دعا الى "اعتماد سياسة الحياد الايجابي التي تحمي لبنان من التمزق". الرئيس امين الجميل يرفض "أن يكون لبنان في اي من المحاور العربية". والعماد ميشال عون دعا منذ البدء الى النأي بلبنان عن التبعية والاحلاف. والقوات اللبنانية دعت في مشروعها للاستراتيجية الدفاعية الى تبني سياسة الحياد الخارجي، والرئيس نبيه بري ما فتئ يعيد الى الاذهان معادلة السين سين، الى الكتلة الوطنية، الى الوطنيين الاحرار، الى قوى 14 آذار مجتمعة واعلانها "ان لبنان لا يمكن ان يكون طرفا في اي محور عربي" الى العديد من منظمات المجتمع المدني وهيئاته.


كلهم اذاً نادوا بالابتعاد عن سياسة المحاور، ونداءاتهم كلها صبت في خانة القرار الحكومي الجامع، حيث المواقف الخارجية باتت تتعادل وتتوازن وتتساوى، وحيث الرئيس ميشال سليمان يمارس حكمة التوازن والتوسط والاعتدال، بجدارة وحذق واتقان، فيعيد الى لبنان دوره الرائد، وطنا ذا رسالة حضارية في محيطه والعالم، قائمة على احلال التحاور بدل التصادم، والتسامح بدل التعصب، والتوافق حيث هناك اختلاف، والتواصل حيث ثمة قطيعة وافتراق. مقرا دوليا نموذجيا لحوار الحضارات والثقافات والاديان.


جميعهم اذاً توافقوا على نبذ سياسة المحاور. وهو هذا التوافق بالذات، ما اعتبرته "شرعة العمل السياسي" احد مقومات النظام السياسي اللبناني، فدعت الى اعتماد "الديموقراطية التوافقية" سبيلا ناجعا لوحدة القرار السياسي. وهي ديموقراطية نسيج وحدها، تجمع ما بين التنافس والتوافق بحيث يصح نعتها بالديموقراطية التوافقية "المركبة". "تنافسية هي ضمن الجماعة المتجانسة طائفيا (اي ضمن الطائفة) وتوافقية هي في الوقت عينه ضمن المجتمع الاوسع المتنوع طائفيا، كما هي الحال في خصوصية لبنان، بحيث "أن السلطة السياسية تعمل للخير العام، وليس فقط لتوجهات الاكثرية، فتتأمن بذلك المشاركة الفاعلة والمتوازنة من قبل الطوائف جميعها (صفحة 49 مادة 23/ ج) "انها الديموقراطية التعددية التوافقية التي ارتضاها اللبنانيون، وكرسها الدستور، حفاظا على مكونات المجتمع اللبناني التعددي". "وهي المشاركة المتوازنة في الحياة الوطنية والقرارات المصيرية في ادارة شؤون الوطن"، بحسب ما جاء في الشرعة في الصفحة 28، كما هي "المشاركة الفعلية من قبل الجميع بالمساواة والانصاف في الحكم والادارة (صفحة46 مادة 17).


أليس هذا ما طمح اليه اللبنانيون منذ البدء؟ اليست هذه هي فلسفة الميثاق الوطني؟ ألم يكن هذا في مرحلة من المراحل، وبالكلام الذي اصبح دارجا اليوم، مطلب الطائفة السنية على قاعدة 6 و6 مكرر، يوم كانت مقاليد الحكم بحسب قولهم في يد المسيحيين؟ ألم يصبح هذا المطلب بعد ذلك من مطالب الطائفة الشيعية، حتى كان اتفاق الدوحة، وما تلاه من مشاركة فاعلة بالثلث الضامن على الصعيد الحكومي؟ وحدهم المسيحيون اليوم ما زال يخالجهم شعور بالغبن، كالذي خامر الطوائف الاخرى من قبل، وادى الى ما ادى اليه من تناحر واستقواء بالخارج وصراع، والشعور المسيحي هذا يترجم حينا مطالبة باستعادة صلاحيات الرئاسة او بتوسيعها، ويترجم حينا آخر بضرورة المشاركة المسيحية الفاعلة داخل مجلس الوزراء، او باعطاء الثلث الضامن لرئيس الجمهورية، او بوضع قانون للانتخاب يمنحهم حق التمثيل الصحيح، او بتطبيق اللامركزية الادارية الموسعة التي نص عليها اتفاق الطائف. او في العودة الكثيفة الى المواقع العائدة لهم انصافا في الادارة، والتي خسروها بفعل الحرب والهجرة والتهجير، او بتوحيد الصف المسيحي اسوة بسائر الطوائف. لا يقصدون بذلك استعادة الهيمنة التي أُلصقت بهم عن حق او غير حق، والتي بات سواهم متهما بها في الوقت الحاضر، بل إحقاقا للتوازن، واستعادة للمساواة التي على اساسها نشأ لبنان، من خلال "مشاركة فاعلة ومتوازنة من قبل الطوائف اللبنانية جميعها"، الى حين قيام الدولة المدنية التي يطمح اليها الجميع، وفقا لما عبر عنه بكلام ولا ابلغ، مفكرو الشرعة وواضعوها (ص 41 مادة 8).


الحياد الخارجي ازاء المحاور مبني اذاً على التوافق الداخلي. والتوافق الداخلي مرتبط بانتهاج سياسة الحياد. على ان ذلك وحده لا يكفي بل ينبغي للحياد كي يستمر ويدوم ان يحف به توافق خارجي، وهذا التوافق لا يتحقق الا اذا اقتنعت القوى الخارجية بان لها مصلحة اكيدة في هذا الحياد. فتعترف اذذاك به، وتعلن تأييدها له، والمحافظة عليه، مثلما فعلت دول اوروبا بالنسبة الى الحياد السويسري، وما صنعه الحلفان الاطلسي وفرصوفيا بالنسبة الى الحياد النمسوي، وما اقدم عليه الاتحاد السوفياتي والغرب بالنسبة الى فنلندا. ولعل في التفاهم الحاصل في اجتماع الرياض الاخير ما بين السعودية وسوريا ومصر، في ظل الانفتاح الاميركي على سوريا وايران، والذي نرجو ان يتكرس في اجتماع القمة المقبل في الدوحة، ما يعبر عن توافق ضمني ما بين تلك الدول، على ترك لبنان وشأنه، لا بل على تحييده عن صراعاتها، لإدراكها اخيرا ان في ذلك افادة لها جميعا. وهذا ما اشارت اليه تقارير صحافية واردة من هناك، تحدثت عن ان اتفاقا عربيا عربيا حصل على اتخاذ موقف محايد من الانتخابات النيابية اللبنانية، مبني على اقتناع وتفاهم بان لبنان سوف لا يحكم الا بالتوافق بين اطرافه. حتى فرنسا بالذات، على لسان رئيسها ساركوزي، تحدثت عن حكومة التوافق والاجماع الوطني، في مرحلة ما بعد الانتخابات، وكأني بالرئيس الفرنسي يردد على مسامع ضيفه الرئيس سليمان، ما قاله نابليون للسويسريين، حول استحالة الحكم الاكثري في سويسرا على الطريقة الفرنسية: "ان الله حباكم بلدا تعدديا، فمن العبث التمرد على ارادة الله".


Saturday, March 21, 2009

تأملات من وحي "تأمل في شرعة العمل السياسي" للمطران جورج خضر

MCDR News Home

النهار - السبت 21 آذار 2009- السنة 76 - العدد 23645 - منبر

بقلم الخورأسقف كميل زيدان - المدير العام للمركز الماروني للتوثيق والأبحاث.

تأملات من وحي "تأمل في شرعة العمل السياسي" للمطران جورج خضر


لقد استوقفني التأمل الذي قدمه المطران جورج خضر عن "شرعة العمل السياسي"(1)، التي أطلقها المركز الماروني للتوثيق والأبحاث و"اللجنة المشتركة للكنائس في لبنان". وانطلاقاً من كوني من الذين يسعون ليكون الإنجيل في حياتهم مرجعاً ومعياراً، أتوجّه الى كبيرٍ قيّمٍ على البشارة بالإنجيل في زمانٍ ومكانٍ محدّدين واختار الدعوة ليشهد للمحبة ويبني بوحي الروح وبساطة النور هياكل الله الحيّة بالشركة مع خلفاء آخرين للرسل.
وما أودّ القيام به هو أن أشارك سيادته في رأيي في عددٍ من العبارات التي وردت في هذا "التأمل". لعل في هذه المشاركة إغناء لنا وللشرعة ولكل من خصّها بقراءة متعاطفة.


ورد في التأمّل:


"- أعلنتها ما سُمّيت اللّجنة المشتركة للكنائس في لبنان": انبثقت هذه اللجنة من اجتماع لممثلي جميع الكنائس في لبنان عُقد في دار سيدة الجبل في شهر آذار من العام الماضي. وقد مثّل الكنيسة الأرثوذكسيّة في هذا اللقاء التاريخي متروبوليت بيروت. وكان بين توصياتها الحاجة الى صياغة شرعة للعمل السياسي. ولقد فرح المسيحيّون على اختلاف انتماءاتهم عندما سمعوا أنّ كنائسهم تلتقي لتفكّر معاً وتأخذ المبادرات معاً. ألا يحسن بنا أن نرى في فرح الناس شيئاً من رضى الله؟ صحيح أنّه من الضروري أن تُحدّد هوية هذه اللجنة وعلاقتها بالسلطات المرجعيّة، وصحيح أن " اللجان تقترح ولا تقرّر"، ولكن، وانطلاقاً من القول " أنّنا نكون معاً أو لا نكون"، ألا تستحقّ هذه الفكرة أن تتعمّق وتُثمر من أجل خير المسيحيين وخير لبنان الوطن الرسالة؟


- " لاهوتيّون من الكنيسة المارونية وضعوا... نصّاً كاثوليكيّاً": لا جدل في أنّ المحرّك الأساس لهذه الشرعة هو الكنيسة المارونية في لبنان وقد عبرّت عن أفكارها بلسان كاثوليكيٍ مَبين من غير أن تهمل نكهة التقاليد الأخرى التي تتشارك وإياها في إنطاكية ترقى إلى عهد الرسل. وهذا التناغم ظهر بوضوح عندما أُرسلت مسوّدة الشرعة الى جميع أعضاء لجنة المتابعة، التي تمثّل الكنائس التي اجتمعت في دار سيّدة الجبل، فأبدوا ملاحظاتهم، وقد أُخذ بها كلّها. وعليه فقد نالت الشرعةُ الرضى والقبول من الكنائس الأخرى، ومن عددٍ من المسلمين على السواء.


- "كنائس لبنان": يجب بالحري القول "الكنائس في لبنان". إذ يجب التمييز بين الكنيسة كهويّة والكنيسة كتجسّد لمشروع الخلاص في زمانٍ ومكانٍ محدّدَين. إنّ الكنائس في لبنان، وإن انتسبت إلى انطاكية وإن لم تنحصر ولن تنحصر في الهاجس اللبناني فلا بدّ لها من أن تحمل في ضميرها هذا الهاجس انطلاقاً من تجسّدها في هذا الوطن الذي أصبح بالنسبة الى عدد منها عنصراً من عناصر هويّتها.


- "آليّة اعتماد النصّ": ليس هدف الشرعة أن تكون نصّاً مرجعيّاً توافق عليه السلطات الروحيّة في " الكنائس الإنطاكيّة". هدفها أن تكون رافعةً تعيد الى الخطاب السياسي اللبناني بعض الارتقاء بعدما اعتراه من انحطاط وضياع والتباسٍ في القيم والأهداف والغايات. إنّه نصّ يتوجّه الى كل ذوي الإرادات الخيّرة في المجتمع اللبناني إلى أي جماعة دينيّة انتموا. وإذا قامت الكنيسة المارونية بهذه المبادرة فانطلاقاً من الدور الذي اضطلع به في تكوين لبنان ومن حرصها على استمرار هذا الاختبار الإنساني الفريد الذي يجعل لبنان أكثر من بلد، يجعله رسالة. وهي ترجو أن تكون السلطات الرّوحيّة الأقرب إلى هذه النظرة وتبادر إلى إغناء نص الشرعة بما تكتنزه تراثاتها من كنوز وهذا، بكل تأكيد، سيُسعد الكنيسة المارونية بجميع مكوّناتها.


- "القسم الثاني مطروحة معانيه في الطريق": وعلى رغم هذه "المطروحية"، والكلمة لهايديغر (Heidegger) وتعني الوجود المتروك لذاته، إنّ فضل هذا القسم من الشرعة أن يدعو الجميع كباراً وصغاراً، مسؤولين ومصفّقين إلى كلمة سواء: لماذا تعلمون ولا تفعلون؟ لماذا أنتم مسلوبو الإرادة والولاء؟ لماذا تذهبون "حيث ينتظركم الأصدقاء الذين اختاروكم (هم) حلفاء؟" لماذا تفحصون ضمائر الآخرين ولا تفحصون ضمائركم؟ لماذا تحمّلون الناس أحمالاً ثقيلة ولا تمسّونها بإحدى أصابعكم؟....


- "شكراً للمسلمين": نعم وألف شكر لهم ولكل من وجد قاسماً مشتركاً معه في هذا النصّ. رساليّة لبنان في أن ينطلق أبناؤه وبناته من خلفيّات لاهوتيّة مختلفة، ومن عقائد مختلفة، ومن ثقافات متباينة... فيوحّدوا الرؤية والهدف ويبتكروا الصيَغ المناسبة لإدارة شؤونهم المشتركة مقدّمين لكل مجتمع متعدّد نموذجاً في الحوار وإدارة النزاعات والعيش معاً بسلام وازدهار. أجل هؤلاء هم الأقرب إلى ملكوت الله وإلى حقيقة اللاهوت وصفائه.


- "ونحن لا علاقة لنا بهذا التيار العقلاني الأرسطوي"! إذا كنا نبغي الحوار ولقاء الآخرين فكل ما يُهمّ الإنسان يُشغل فكرنا وهو جدير بالإهتمام وله علاقة وجوديّة معنا. والنعمة بالنسبة الى المسيحي شركة مع الذي تجسّد من أجل كل إنسان وكلّ الإنسان. فلا يستطيع في هذه الحال أن يقطع علاقته بإنتاج الفكر الإنساني حتى لو لم يستنر بالنعمة. أوليست رسالة المؤمن المسيحي أن يسعى بكل قواه وبهدي الروح لينفح كل شيء بالنعمة؟ وأضيف، أوليس الخلق بذاته مع كل ما حباه الله من قدرات وسكب فيه من شرائع نعمة؟ ألم يدع الله كل الناس الى الخلاص؟! فلماذا إذاً نشتّتهم فرقاً ونضيف الى حواجزهم حواجز؟


- "ماذا تعني الكنيسة المارونيّة صاحبة المشروع بفصل الدين عن الدولة وهي رافضة العلمنة؟" رغم تناقض عميق بين هذا المقطع الذي ينتهي بهذا السؤال مع ما سبقه نتوقف حوله لأنه لا يعكس بصدق ما أرادت الشرعة أن تقوله. إنطلاقاً من خصوصيّة لبنان تحاول الشرعة أن تشقّ طريقاً وسطاً بين التيوقراطيّة والعلمنة الملحدة وقد اختارت لذلك تعبير الدولة المدنيّة. هذا التعبير يجد جذوره في الدستور اللبناني الذي لا يحدّد للدولة ديناً لكنه في الوقت عينه يحترم كل الأديان ويحافظ على خصوصيّات الطوائف. والشرعة لم تتكلم على المجتمع المدني، والذي لا يعني أصلاً المجتمع الملحد، فالمجتمع المدني هو المساحة العامة صاحبة القدرة على الإبداع باستقلال عن مؤسسات الدولة. والشرعة لم تفصل الدين عن الدولة بل شدّدت على التمايز "حتى حدود الفصل" وليس الفصل! فللكنيسة المارونيّة كما لسواها من الكنائس والأديان أن تعيش وتنمو في كنف الدستور اللبناني ولها جميعها الحق في كلام سياسي ضمن حدود الدستور. وقد يكون للكنيسة المارونيّة، واستناداً الى اعتراف عبّرت عنه، يا صاحب السيادة، في أكثر من مكان، حق أكثر من سواها أن يكون لها "رأيٌ في الشأن اللبناني" وقد أدت دوراً مفصليّاً في إنشاء الكيان. ختاماً يقول التأمّل "إذا كان الهدف الأساسي لهذه الورقة مواجهة مشاكل بلدنا فما نفع القسم الأول من الشرعة؟" لم تقصد الشرعة في قسمها الأول أن تعطي تعليماً سياسياً بلباس لاهوتي، أو أن تقارب الموضوع اللبناني من خلفية لاهوتية، لهذا فضّلت الطريق الآخر وهو التوجه إلى بناء الوعي المسيحي بأن هناك ممارسة مسيحية للسياسة وسلوكيّات مسيحيّة ترتكز على ايمان وعقيدة. فإذا قلنا إن لا علاقة للدين "بمشاكل بلدنا" واستطراداً لا علاقة للدين بمشاكل الحياة، ينتج من ذلك موقف شديد الخطورة للمؤمن ولمن أؤتمن على البشارة بالإنجيل! أوليست معظم مشاكلنا مرتبطة بالدين ؟


الإنسان كائن ديني. وما يجري اليوم من أحداثٍ حول العالم، وما يصرّح به رؤساء مثل ساركوزي واوباما وبلير، وما صدر عن المؤتمر الإسلامي للحوار وعكسه "نداء مكّة"، يؤكّد هذه المقولة. فكل سعيٍ لتجزئة الإنسان الى مادةٍ وروح، الى مواطنٍ ومؤمن، والى فصل القيم عن ينابيعها الروحيّة... لن يُؤدّي الى نتيجة. هذا السعي سيزيد واقع البشريّة تعقيداً. وقد يكون وصف هيغيل للفكر الرومنطيقي أصدق وصف لهذا السعي.
وحدها النظرة الموضوعيّة والشاملة تُنتج الحلول، ووحده المؤمن فعلاً بالتجسّد يستطيع التمييز دون الفصل!


(1) "
النهار" في 14/3/2009.

Saturday, March 14, 2009

تأمل في شرعة العمل السياسي

MCDR News Home

النهار - السبت 14 آذار 2009
تأمل في شرعة العمل السياسي - المطران جورج خضر

هذه الشرعة المنبثقة عن الفكر الماروني الكنسي والمجتمعي - السياسي قد تكون أشمل وثيقة كاثوليكية لبنانية في العصر الحديث. تحمل رؤية عن لبنان ورسالة الى لبنان. أعلنتها ما سميت "اللجنة المشتركة للكنائس في لبنان". ولا بد لي هنا أن أعترف ان ليس عندي علم بهذه اللجنة واللجان تقترح ولا تقرر. وما من شك ان الكنائس ذات قيادات روحية كل منها يلزم ابناءه. والكنيسة لا لجانها تدعونا. الى هنا فعبارة "كنائس لبنان" قد تعني عند المنظمين تلك القائمة جغرافيا على ارض لبنان ولكن ليس لها كيانية لبنانية لكون كل كنيسة قديمة تنعت نفسها بأنطاكية وعندئذ لا مطمع لها ان تنحصر في الهاجس اللبناني.حضر عدد من الأحبار من كنائس عدة التجمع الشعبي الذي أعلنت فيه الشرعة
هل كان هذا من قبل الحاضرين مرافقة أو موافقة؟ هل كانت هناك آلية لاعتماد النص؟ هل سترفع الشرعة الى السلطات الروحية في الكنائس لتتم آلية لما يسمّى في اللاهوت الحديث قبولا
طرحت هذه الأسئلة لأفهم بكل تواضع ويفهم سواي مكانة هذا النص في حياة المؤمنين.المسيرة التي كمنت وراء النص ان لا هوتيين من الكنيسة المارونية وضعوا من الناحية اللاهوتية نصا كاثوليكيا في الجانب الأول من الشرعة الذي هو الجانب التنظيري، نصا يستند كثيرا الى المصادر البابوية والمرجعية المارونية ليأتوا بموقف تعليمي يُعرَض على المشاركين من الكنائس غير الكاثوليكية معتبرين أن الكنيسة الكاثوليكية عندها تعليم اجتماعي. أي لم يأتِ هذا الفريق بأفرقاء مسيحيين آخرين عندهم في تراثهم القديم تعليم اجتماعي وبعض منهم في تراثهم الحديث بحيث نُسب هذا النص الى لجنة متعددة الطرف لم تأت بمساهمة ولا تستطيع ان تأتي بمساهمة مستقاة كلها من الفكر الكاثوليكي الحديث
التصرف كان أن هناك من ينشئ وهناك من يقرأ ويبدي رأيه في ما وضعه سواه.منهجيا ما همّ أرباب هذا الفكر هو - حسب عنوان ما أتوا به - ان يضعوا شرعة العمل السياسي في بلدنا وكان لا بد لها من فكر تأسيسي بعد ان قرروا من يكون المؤلفون. لكن التصاق هذين القسمين لا يفرض نفسه
القسم الثاني اذا لم أغالِ مطروحة معانيه في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقرويّ والمدنيّ كما يقول الجاحظ وقد عبّر عنها غير فريق الى أي مذهب ذهب، مسلما كان أم مسيحيا اذ لا يخالف أحد الديموقراطية والنظام البرلماني والاستقلالية. لكل منا ركن يركن فيه وتمر امامه الطرق المرمية المعاني عليها ومرمية تاليا عليه المفردات. تصطف حيث تشاء وتقول القول عينه لكنك تذهب حيث تشاء حيث ينتظرك الأصدقاء الذين اختاروك حليفا.الى هذا اذا كانت هذه الكتابة في القسم الأول عملا مسيحيا واضحا وحيا وبناء وصياغة ما دخل المسلمين بها خصوصا انكم اوضحتم ان هذا عمل نسقت به كل الكنائس فكرها. واتضح فرح المسلمين بكم على ان تطرحوا جانبا ما له علاقة حصرية بالعقيدة. عندئذ يبطل المشروع كله وتنحصرون في الجزء الوطني والسياسي الذي لا يحتاج الى لاهوت. شكرا للمسلمين الذين محضوكم الثقة أو بالأقل بينوا رجاءهم على ان يندمجوا بالشرعة وهم لا يريدون طبعا ان يندمجوا باللاهوت. هذا التماهي بينكم وبين المسلمين كان قائما قبل بيانكم وسيبقى على أسس تجمعكم بلا لاهوت، انطلاقا من معطيات الوطن
•••
ملاحظتي الاولى هي قول الشرعة ان من اهدافها "ان توفر للشعب اللبناني ثقافة سياسية". استغربت ان ترغب الكنيسة المارونية في تثقيف كل الشعب اللبناني سياسيا
الملاحظة الثانية قول الشرعة "بشريعة طبيعية هي بمثابة النور للعقل البشري". هذا ليس بقول مسيحي عام بعد ان نزلت النعمة التي رفعت الطبيعة البشرية الى طبيعة مفتداة بالدم الكريم والتي تراقب العقل من نافذة الوحي. هذا التأكيد المفرط على العقل والطبيعة البشريّة كما هي يعود الى توما الاكويني والى ابن رشد ونحن لا علاقة لنا بهذا التيّار العقلاني الأرسطوي.من بعد كلام جميل عن رسالة الكنيسة ووظيفة الدولة تأتي الشرعة الى بحث العلاقة بينهما (استقلالية الكيانين احدهما عن الآخر بلا تخالط وتقارب من دون تصارع) حتى تصل الى استقلالية المجتمع المدني وتوفيره للكنيسة "الظروف والشروط اللازمة لتأدية رسالتها". غير ان الشرعة تقول ان الكنيسة لا تقبل بعلمنة الدولة اذا كانت تعني عقيدة فلسفية تحتوي على مفهوم مادي وملحد للحياة البشرية والمجتمع
سؤالي لماذا اذا الشرطية بقول النص "اذا كانت تعني عقيدة فلسفية تحتوي على مفهوم مادي وملحد". اذا ذهبنا الى الخبرة الفرنسية وصرفنا النظر عن بعض الفلسفات التي كانت ممهّدة للعلمنة لا نجد في قانون السنة 1905 في فرنسا القاضي بفصل الكنيسة عن الدولة اية اشارة الى مادية أو إلحاد. هذا القانون لا يفرض على المواطن إيمانا ولا إلحادا ولا يجيز التعرض لعقيدة التلاميذ في المدرسة كما لا يتقبل عقيدة ملحدة في التعليم. فاذا وجدنا علمنة لا تحتوي على إلحاد ومادية ماذا يفرقها، اذ ذاك، عن المجتمع المدني؟ترضى الشرعة بالمجتمع المدني ولا تحدده حتى تصل الى القول بفصل الدين عن الدولة. الفرنسيون ما قالوا هذا. قالوا بفصل الكنيسة وعنوا بذلك فصل المؤسسة الدينية عن الدولة لا الدين من حيث هو إيمان
ماذا تعني الكنيسة المارونية صاحبة المشروع بفصل الدين عن الدولة وهي رافضة العلمنة؟يأتي بعد هذا كلام ممتاز على ممارسة المسيحي للسلطة السياسية وعلى أسس المشاركة الواجبة على المسيحيين في الشأن العام وعلى روح الخدمة والالتزام لقضية السلام ثم يأتي التوضيح لطبيعة العمل السياسي. هناك فقرات كثيرة علينا ان نعتمدها جميعا وهي مستوحاة من الكلام الإلهي
السؤال الذي يطرح نفسه الآن ويتناول كل النص هو كيف يفهم اصحاب الشرعة ان فصل الدين عن الدولة يسمح لهم بكلام سياسي عن لبنان. تساؤلي هو كيف يدخل لبنان كأمة ودولة وكيان في تأمل صادر عن الكنيسة المارونية بعد حديث طويل في الإلهيات. أين فصل الدين عن الدولة؟ هل لأصحاب الشرعة وهم حفظة الإنجيل والقيمون عليه رأي في ما يقوم عليه وطننا هذا؟ كيف نصل الى لبنان من مواقف لاهوتية واضحة وعميقة؟ لماذا للكنيسة المارونيّة من حيث هي كنيسة رأي في الشأن اللبناني؟ في كل حال أصحاب الكلام على لبنان هم أصحاب القول المدني الذي لا علاقة له بمذهب. معالجة الشأن اللبناني اجتماعيا ومدنيا كلام اللبنانيين مجتمعين في كل باب من ابواب العيش الواحد
اذا كان الهدف الأساسي لهذه الورقة مواجهة مشاكل بلدنا فما نفع القسم الأول من الشرعة؟ كل هذا البناء الفلسفي اللاهوتي العظيم لا يبدو لي مفتاحا للبحث عن طبيعة لبنان ومصيره

Thursday, March 12, 2009

الشرعة الكنسية: وثيقة وطنية عابرة للطوائف

المستقبل - الخميس 12 آذار 2009 - العدد 3244 - شؤون لبنانية - الصفحة الخامسة

أحمد الزعبي

في زحمة الأحداث التي يشهدها البلد، مرّ منذ بضعة أيام نصّ صادر عن كنائس لبنان جميعاً يحدّد الأطر ـ المبادئ ـ القيم "للعمل السياسي في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان"، أي للمجموعات اللبنانية المسيحية. ولكن من خلال مطالعة هذا النصّ يتبين فوراً أن أهميته لا تكمن فقط في كونه صادراً عن الكنائس اللبنانية وفي مقدمتها الكنيسة المارونية، بل لتجنبه على امتداد فقراته المتصلة بالمباشر من العمل السياسي والوطني، الحديث عن المسيحيين بوصفهم فئة مستقلة أو منعزلة عن سائر اللبنانيين، بما يعكس ،بحق، وعياً عميقاً لفكرة العيش المشترك صيغة وميثاقاً

.فإذ تذكّر "الشرعة الكنسية للعمل السياسي" بأن "السياسة فن شريف لخدمة الإنسان والخير العام"، حددت ما هدفت إليه، أو بعضاً من هذه الأهداف بـ "أن توفر للشعب اللبناني ثقافة سياسية عامة بأبعادها الروحية والخلقية والاجتماعية والوطنية. وأن تضع أهل السياسة أمام مسؤولياتهم وواجباتهم"، كما أنها تحدد "المعايير التي توجه المواطنين في اختيار ممثليهم في الجماعة السياسية ومحاسبتهم ومساءلتهم

العيش المشترك في مرآة مسيحية

وفي استعادة لبعض مواد "الشرعة" تشكل عبارات من مثل "يعمل المسؤولون السياسيون بروح الميثاق الوطني القائم على العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين، وبالأمانة للصيغة اللبنانية التي تجسد هذا الميثاق في المشاركة الفعلية من قبل الجميع بالمساواة والإنصاف" (المادة 17)، و"فيما يميز نظام لبنان بين الدين والدولة ويحفظ استقلالية كل منهما، فإنه يشكل دولة مدنية تحترم الله وشريعته وتعترف بحرية المعتقد (..) يلتزم اللبنانيون مقتضيات الميثاق الوطني هذه، متجنبين في آن الذوبان في مشاريع وحدوية عقائدية"، و"يحمل اللبنانيون مسؤولياتهم أمام الله الذي يدعوهم ليعيشوا معاً، على اختلاف ثقافاتهم وأديانهم، فيبنون معاً وطناً واحداً نموذجياً للعيش المشترك وللحوار بين الأديان والثقافات" (المادة 19). تشكل هذه العبارات الأطر لقراءة المسألة المسيحية في مرآة المسألة اللبنانية العامة، أي من منطلق الهموم والتحديات والمصائر المشتركة لجميع أبناء البلد

ولعل هذا الخطاب هو الذي يجعل "الشرعة" لا تخاطب المسيحيين بشكل خاص إلا في حدود الاقتباسات الروحية التي تذكر بدور الكنيسة وتعاليمها أو عن التمايز والتعاون بين الكنيسة والدولة، حين تدعو الى "وجوب احترام التمايز بين الدولة والكنيسة (..) ووجوب حفظ استقلالية الواحدة عن الأخرى في حقل عملها الخاص" (المادة 7)، وحين تقول بأن الفصل بين الدين والدولة يوجب "قيام دولة مدنية تحترم الأديان وتصون حرية المعتقد والعبادة، فيما تتولى هي دون سواها إدارة الشأن السياسي والاقتصادي والمالي والعسكري، ويبقى من حق الدين أن يعطي حكمه الأدبي في أعمال هذه الإدارة وأدائها من ناحية نتائجها الخلقية والإنسانية" (المادة 8)، ومن ثم بتوجهها الى المسيحيين بضرورة أن تتصف ممارستهم للسلطة السياسية بـ "استلهام ضميرهم المسيحي" و"الجمع بين موجبات العمل السياسي والمبادئ الأخلاقية" و"روح الخدمة المتجردة والسخية"، و"التحلي بالقيم الإنجيلية والإنسانية"، و"التزام قضية السلام وتعزيز الديموقراطية" (المادة 13). لتخلص الى أن العمل السياسي الذي يلتزم خدمة الإنسان "يتأسس على الحقيقة، ويُحمى بالعدالة، وينتعش بالمحبة وينمو بالحرية" (المادة 3

النص ـ الشرعة مسكون، إذاً، بوعي عميق لفكرة العيش المشترك بإرادة عميقة أيضاً لتجديد هذه الصيغة من خلال إبراز وجهة نظر الكنائس المسيحية بأن لا مكان للتنافر والانعزال والاستقطاب على الرغم من أن السمة الغالبة على الوضع اللبناني الراهن هي الاستقطاب السياسي والتنافر الطائفي والمذهبي.احياء لبنان = الدولة المدنية

في ما يشكّل برنامجاً متكاملاً يحدد الثوابت والمعايير للبنانيين المسيحيين، للاهتداء به في ممارسة العمل الديموقراطي، تدعو الشرعة الكنسية، في سياق حديثها عن العمل السياسي المباشر، الى المحافظة على روح الميثاق الوطني والصيغة اللبنانية (مع تطويرها)، وتحدد أربعة مداخل تشكل الأطر لهذا العمل
ـ وحدة القرار السياسي للدولة، فـ "واجب احياء لبنان يقتضي من متعاطي السياسة والشأن العام ان يتمسكوا بمباديء الحوار وحل الخلافات 21 في اطار المؤسسات الدستورية، رافضين الاحتكام الى أي شكل من أشكال العنف والصدامات المسلحة" (المادة

مرجعية السلاح لمؤسسات الدولة من جيش وقوى أمن دون سواهم للمحافظة على امن المواطنين" (المادة 21).ـ تحقيق اللامركزية الادارية الموسعة واللاحصرية ومحاربة الفساد (المادة 22)، وهو المطلب المزمن للمسيحيين الذي دخلوا على أساسه اتفاق الطائف
ـ وتحييد لبنان عن الانجراف في سياسة المحاور الاقليمية والدولية (المادة 22) بما يضمن حياديته عن صراع المحاور واستباحة الساحة اللبنانية.لكن، وللانصاف، فان ثمة نقطتين اشارت اليهما الشرعة، ولم تغيبا عن بال واضعيها، هما ـ ضرورة تنظيم العلاقات بين الدولة اللبنانية والسلطة الفلسطينية، بالسعي الى حل عادل للقضية الفلسطينية وضمان حق العودة، وضبط السلاح الفلسطيني في لبنان وتحسين أوضاع اللاجئين
ـ بناء علاقات سليمة مع سوريا والبلدان العربية الاخرى على أسس الاحترام المتبادل لسيادة كل دولة وحدودها" (المادة 24). وهنا يخلص
هذا القسم، الى الاعلان ان "احياء لبنان يقتضي ان تنشأ دولة مدنية ديموقراطية حديثة، تميز حتى حدود الفصل بين الدين والدولة، تمارس الديموقراطية ممارسة صحيحة، توفق بين مقتضيات المواطنة والتنوع، وتضع قانون عادل للانتخابات النيابية" (المادة23
الشرعة وإرث الإمام شمس الدين لا مبالغة في القول، ان في ما تطرحه الشرعة الكنسية في مختلف المجالات التي عرضت لذكرها يصلح أساسا لكل اصلاح في الدولة ولكل تجديد في الصيغة. فهذا الطرح يعكس نفياً عميقاً لنماذج "المحاصصة" و"المزرعة" و"الكانتون" و"الدويلات" و"الوصاية" و"بدع التوافق" وقبل كل ذلك "دولة الطائفية" التي لا يمكن لها جميعها ان تكون دولة حقيقية تضاهي النموذج
والتجربة والرسالة اللبنانية
ثم ان النص يعيد الاعتبار لحقيقة ان الدولة في لبنان هي "مدنية" في الاصل قبل ان تحولها الصراعات والمصالح والوصاية الى "محاصصات طوائفية"، وفي هذا الاتجاه معنى سياسي عميق قائم على خصوصية لبنان وهو قدرة هذا البلد على تقديم نموذج يجمع ما بين "الاصالة" و"الحداثة" في ممارسة العمل السياسي المتنوع الذي يحترم الخصوصيات في اطار التنوع والوحدة، ويراعي التطور الطبيعي للمجتمع اللبناني، وهنا، عند الحديث عن الدولة المدنية وسعة آفاق التركيبة اللبنانية لتبنيها، تحسن الاشارة الى جهد اسلامي متميز عبرت عنه "اجتهادات" الامام الراحل محمد مهدي شمس الدين على امتداد عقد ونصف من القرن الماضي (1987 ـ 2000) حول الدولة المدنية، في كتابيه "الاجتماع السياسي الاسلامي" (1996) و"لبنان الكيان والمعنى" (2003) ففيهما، اذا ما أضيفا الى الشرعة ما يغني البحث في خطوات بناء الدولة المدنية الحديثة في لبنان خارج الاستقطابات السياسية او الطائفية او المذهبية
لا تخرج الشرعة الكنسية للعمل السياسي في روحيتها ومضمونها ومبادئها عن مقررات المجمع البطريركي الماروني الذي عقد في أيلول 2005 ومثّل حينها، بحسب مراقبين كثر، ترجمة كنسية محدثة لاتفاق الطائف، وخصوصاً في دعوتها لتفاعل اسلامي ـ مسيحي قائم على معايير الأخلاق والحرية والمساواة واحترام التنوع في إطار وحدة تحترم الاختلاف على كل الصعد، كما تحترم المسارات الديموقراطية للعمل السياسية وتحييد مسألة العدالة عن المزايدات والمساومات، وأمام نصّ بمثل هذه الرؤية وتلك الروحية، يحضر سؤال سياسي هو: متى يتوصّل السياسيون الموارنة، كلّهم أو بعضهم، الى الخلاصات التي انتهت إليها الشرعة الكنسية؟ ومتى يقرّون مع كنائسهم بأن لا ضمان للمسيحيين ـ كما للمسلمين ـ إلاّ في الإطار اللبناني العام وفي رحاب دولة حديثة؟ أسئلة واستفهامات لعل الأسابيع القليلة كفيلة بالاجابة عنها، وخصوصاً اذا استلهم من توجهت الشرعة اليهم بروحيتها وهديها، وفيها أنه "يشترط بالمرشح للنيابة أن يكون ولاؤه أولاً وأخيراً للبنان" (المادة 29)، وأن الديموقراطية تقتضي "أن يحاسب المواطنون ممثليهم ويسائلونهم بشأن الشروط التي ترشحوا على أساسها" (المادة 31)

تم نشر هذا المقال في البداية على
http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?storyid=336582

"شرعة العمل السياسي": كلمة الحق

جورج ناصيف (النهار) ، الاربعاء 11 آذار 2009

في لحظة انحطاط سياسي واخلاقي يضرب الممارسة السياسية ويحيلها شجاراً تافهاً بلا مضمون قيمي، أو كيدية شخصية أو تكالباً على المنافع، ارتفعت كنائس لبنان جميعها، بإلهام الروح، الى حيث يجب ان يكون مطلاً الهياً على شؤون الدهر، والتزاماً بكرامة الخليقة البشرية.

شرعة العمل السياسي" التي اطلقتها الكنائس تتقدم بوصفها نصاً موحياً وغزير النعم، يتعيّن على جميع المشتغلين بالشأن السياسي العام ان يستلهموه اساساً للفكر والممارسة

ماذا قالت الكنائس؟

قالت إن "السياسة فن شريف" لخدمة الانسان تشمل ممارستها النشاط الاقتصادي والاجتماعي والتشريعي والاداري والثقافي" (المادة الاولى) وذلك في رد جلي على "السياسة السياسوية" التي تعنى بالصراع على المناصب والمغانم

قالت ان العمل السياسي الذي "يلتزم خدمة الانسان" يستلزم "ان يتأسس على الحقيقة، وينتعش بالمحبة، ويحمي العدالة، وينمو بالحرية". (المادة الثالثة)

قالت بوجوب احترام "التمايز بين الدولة والكنيسة"، و"الحفاظ على استقلالية الواحدة عن الاخرى في حقل عملها الخاص". (المادة السابعة

قالت إن الفصل بين الدين والدولة يوجب "قيام دولة مدنية تحترم الاديان، فيما هي تتولى دون سواها ادارة الشأن السياسي والاقتصادي والمالي والعسكري. ويبقى من حق الدين ان يعطي حكمه الادبي في اعمال هذه الادارة وادائها من حيث نتائجها الخلقية والانسانية". (المادة الثامنة

وقالت إن على المسيحيين ان يشاركوا في الحياة السياسية، وان ممارستهم السلطة السياسية يجب ان تتصف "باستلهام ضميرهم المسيحي" والجمع بين موجبات العمل السياسي والمبادئ الاخلاقية (المادة 13) بروح الخدمة المتجردة، السخية، المتصدية للاغراءات والمناورات الخسيسة والكذب واختلاس اموال الدولة، واستعمال اساليب غير شرعية وغير اخلاقية للوصول الى السلطة". (المادة 13

وقالت إن ممارسة المسيحيين السلطة يجب ان تتصف بالالتزام بالقيم الانجيلية، ولا سيما ببساطة العيش، والحب التفضيلي للفقراء، وروح الغيرة، والتزام قضية السلام وجعله ثمرة للعدالة13"

أما في الشأن السياسي المباشر، فكانت دعوة الى المحافظة على روح الميثاق الوطني والصيغة اللبنانية (مع تطويرها) و"الحوار
المؤسسات الدستورية وعدم الاحتكام الى العنف، والاعتماد على الجيش وقوى الامن دون سواهم

الى ذلك، جاهرت الكنائس بضرورة اعتماد آليات تحول دون تعطيل عمل المؤسسات الدستورية، وعدم انجرار لبنان الى سياسة المحاور الاقليمية او الاحلاف الدولية، وتحقيق اللامركزية الادارية الموسعة واللاحصرية

أمران اساسيان لم يغيبا عن أحبار الكنيسة

حل عادل لقضية الفلسطينيين وضمان حق العودة وقيام دولة قابلة للحياة والعمل على منع التوطين وضبط سلاحهم وتحسين اوضاعهم

بناء علاقات سليمة مع الجمهورية العربية السورية والبلدان العربية الاخرى

بلغة سلامية هادئة، طالعة من وداعة الحَمَل الالهي، وفي فترة صوم مقدّس، وبوضوح لا يجرح او يطعن او يقصي بل يؤكد القناعات

الكبرى بلا توتر او حدة لفظية، بأمانة لروح لبنان العيش المشترك والتجربة الحضارية المضيئة، نطقت الكنائس، فأفرحت العطاش الى كلمة الحق

.كان كلاماً "ارثوذكسياً" مستقيماً، يليق بمن يقفون على الباب الملوكي ناقلين البشرى

تم نشر هذا المقال في البداية على
http://www.nowlebanon.com/Arabic/NewsArticleDetails.aspx?ID=83526&MID=87&PID=46

L’Église maronite lance une charte de la praxis politique bien comprise

MCDR News Home


Philippe ABI-AKL
L'Orient-Le Jour 05 mars 2009



Présidé par Mgr Samir Mazloum et dirigé par le père Camille Zeidan, le Centre maronite pour la recherche et la documentation a établi une « charte de la praxis politique, à la lumière des enseignements de l'Église et de la spécificité libanaise ». Un document dont la préparation a nécessité plus de six mois. Et auquel ont coopéré des laïcs spécialisés ainsi que NN.SS. Boulos Matar, Youssef Béchara et Béchara Rahi, qui doit en divulguer la teneur ce jeudi.En avant-propos, des sources informées précisent qu'il s'agit là d'une feuille de route définissant les frontières entre la religion et l'État.Le Centre prône un État démocratique laïc ainsi que la neutralité du Liban par rapport aux axes, pour que le suivisme local cesse de servir les protagonistes extérieurs de conflits d'intérêts et d'influence. Le texte presse les pôles du cru à traiter les querelles qui les opposent par le dialogue, sans plus recourir à la violence armée. Il souligne la nécessité que la sécurité de la population soit assurée uniquement par les forces régulières, armée et police. Précisant qu'elles seules doivent être armées. Il insiste pour que les politiciens tiennent un discours relevé, à hauteur d'un sens certain de la responsabilité nationale. En soulignant qu'ils doivent protéger le Liban des effets néfastes des disputes électorales. Le document énumère les critères d'une saine consultation populaire, en invitant candidats et électeurs à bien assumer leurs responsabilités civiques. Le Centre condamne tout obstructionnisme menant à la paralysie des institutions. Il appelle à une décentralisation administrative élargie.Le timing tombe apparemment à pic, après les piques entre les prosyriens chrétiens, déchaînés contre Bkerké, et Mgr Rahi qui a rappelé, comme on sait, que les auteurs d'insultes dirigées contre l'Église qu'incarne le patriarcat pourraient encourir l'excommunication.En réalité, la charte a été conçue bien avant cet épisode de brûlante actualité. Elle résulte, en effet, des recommandations du synode maronite et du conclave des Églises du Liban tenu il y a un an à Saydet el-Jabal. Assemblées qui avaient souligné la double nécessité de faire la part des choses entre religion et État, et de reconnaître le rôle national des instances spirituelles. Parallèlement, quatre évêques mandatés par Bkerké pour traiter les dissensions interchrétiennes avaient fait signer aux pôles de la communauté, un peu trop portés sur l'invective, un pacte d'honneur pour des échanges politico-médiatiques plus civils.

Les pôles religieux musulmans ont reçu copie de la charte, qu'ils sont discrètement invités à adopter pour lui conférer une dimension nationale. D'ailleurs, les membres du comité de dialogue permanent islamo-chrétien vont assister aujourd'hui à la conférence de Mgr Rahi et certains d'entre eux doivent, à cette occasion, prononcer des allocutions.

Retour au timing. S'il est propice, indiquent des sources religieuses, ce n'est pas à cause de la polémique avec les prosyriens, mais parce qu'il tombe à trois mois des élections. Le document intervient en pleine campagne, pour en calmer un peu les débordements, si possible. En même temps, il est tout à fait opportun, au moment où la lutte des axes bat son plein, de mettre l'accent sur la nécessité nationale d'en protéger le Liban en déclarant sa neutralité à cet égard. Pour qu'il cesse de servir de lice aux conflits extérieurs de toutes sortes, et de porte-étendard unique, déchiré, des droits arabes.

Quoi qu'il en soit, les sources citées reconnaissent que la charte doit également servir de ligne de conduite pour les parties locales vis-à-vis de Bkerké. Elle confirme en effet les constantes nationales que le siège patriarcal défend. Et elle coupe court, toujours selon ces sources, aux surenchères comme aux accusations politiques, aux mises en doute, dirigées contre le patriarche Sfeir.Il convient de signaler que selon des ministres retour du Vatican, il est complètement faux de prétendre, comme le font certains, que la curie est indisposée par les positions de Bkerké et que le patriarche ait été convoqué à Rome. Ces responsables soulignent qu'au contraire, le Saint-Siège voue au chef de l'Église maronite le plus grand des respects. Selon une source fiable, le nonce apostolique, loin d'avoir transmis l'agacement du Vatican par rapport au patriarche à des pôles prosyriens, comme ils le laissent entendre, leur aurait reproché les débordements de leurs attaques contre Bkerké.

Article publié initiallement par
http://www.lanationlibanaise.org/2009/03/leglise-maronite-lance-une-charte-de-la.html