بقلم الخورأسقف كميل زيدان - المدير العام للمركز الماروني للتوثيق والأبحاث.
تأملات من وحي "تأمل في شرعة العمل السياسي" للمطران جورج خضر
لقد استوقفني التأمل الذي قدمه المطران جورج خضر عن "شرعة العمل السياسي"(1)، التي أطلقها المركز الماروني للتوثيق والأبحاث و"اللجنة المشتركة للكنائس في لبنان". وانطلاقاً من كوني من الذين يسعون ليكون الإنجيل في حياتهم مرجعاً ومعياراً، أتوجّه الى كبيرٍ قيّمٍ على البشارة بالإنجيل في زمانٍ ومكانٍ محدّدين واختار الدعوة ليشهد للمحبة ويبني بوحي الروح وبساطة النور هياكل الله الحيّة بالشركة مع خلفاء آخرين للرسل.
وما أودّ القيام به هو أن أشارك سيادته في رأيي في عددٍ من العبارات التي وردت في هذا "التأمل". لعل في هذه المشاركة إغناء لنا وللشرعة ولكل من خصّها بقراءة متعاطفة.
ورد في التأمّل:
"- أعلنتها ما سُمّيت اللّجنة المشتركة للكنائس في لبنان": انبثقت هذه اللجنة من اجتماع لممثلي جميع الكنائس في لبنان عُقد في دار سيدة الجبل في شهر آذار من العام الماضي. وقد مثّل الكنيسة الأرثوذكسيّة في هذا اللقاء التاريخي متروبوليت بيروت. وكان بين توصياتها الحاجة الى صياغة شرعة للعمل السياسي. ولقد فرح المسيحيّون على اختلاف انتماءاتهم عندما سمعوا أنّ كنائسهم تلتقي لتفكّر معاً وتأخذ المبادرات معاً. ألا يحسن بنا أن نرى في فرح الناس شيئاً من رضى الله؟ صحيح أنّه من الضروري أن تُحدّد هوية هذه اللجنة وعلاقتها بالسلطات المرجعيّة، وصحيح أن " اللجان تقترح ولا تقرّر"، ولكن، وانطلاقاً من القول " أنّنا نكون معاً أو لا نكون"، ألا تستحقّ هذه الفكرة أن تتعمّق وتُثمر من أجل خير المسيحيين وخير لبنان الوطن الرسالة؟
- " لاهوتيّون من الكنيسة المارونية وضعوا... نصّاً كاثوليكيّاً": لا جدل في أنّ المحرّك الأساس لهذه الشرعة هو الكنيسة المارونية في لبنان وقد عبرّت عن أفكارها بلسان كاثوليكيٍ مَبين من غير أن تهمل نكهة التقاليد الأخرى التي تتشارك وإياها في إنطاكية ترقى إلى عهد الرسل. وهذا التناغم ظهر بوضوح عندما أُرسلت مسوّدة الشرعة الى جميع أعضاء لجنة المتابعة، التي تمثّل الكنائس التي اجتمعت في دار سيّدة الجبل، فأبدوا ملاحظاتهم، وقد أُخذ بها كلّها. وعليه فقد نالت الشرعةُ الرضى والقبول من الكنائس الأخرى، ومن عددٍ من المسلمين على السواء.
- "كنائس لبنان": يجب بالحري القول "الكنائس في لبنان". إذ يجب التمييز بين الكنيسة كهويّة والكنيسة كتجسّد لمشروع الخلاص في زمانٍ ومكانٍ محدّدَين. إنّ الكنائس في لبنان، وإن انتسبت إلى انطاكية وإن لم تنحصر ولن تنحصر في الهاجس اللبناني فلا بدّ لها من أن تحمل في ضميرها هذا الهاجس انطلاقاً من تجسّدها في هذا الوطن الذي أصبح بالنسبة الى عدد منها عنصراً من عناصر هويّتها.
- "آليّة اعتماد النصّ": ليس هدف الشرعة أن تكون نصّاً مرجعيّاً توافق عليه السلطات الروحيّة في " الكنائس الإنطاكيّة". هدفها أن تكون رافعةً تعيد الى الخطاب السياسي اللبناني بعض الارتقاء بعدما اعتراه من انحطاط وضياع والتباسٍ في القيم والأهداف والغايات. إنّه نصّ يتوجّه الى كل ذوي الإرادات الخيّرة في المجتمع اللبناني إلى أي جماعة دينيّة انتموا. وإذا قامت الكنيسة المارونية بهذه المبادرة فانطلاقاً من الدور الذي اضطلع به في تكوين لبنان ومن حرصها على استمرار هذا الاختبار الإنساني الفريد الذي يجعل لبنان أكثر من بلد، يجعله رسالة. وهي ترجو أن تكون السلطات الرّوحيّة الأقرب إلى هذه النظرة وتبادر إلى إغناء نص الشرعة بما تكتنزه تراثاتها من كنوز وهذا، بكل تأكيد، سيُسعد الكنيسة المارونية بجميع مكوّناتها.
- "القسم الثاني مطروحة معانيه في الطريق": وعلى رغم هذه "المطروحية"، والكلمة لهايديغر (Heidegger) وتعني الوجود المتروك لذاته، إنّ فضل هذا القسم من الشرعة أن يدعو الجميع كباراً وصغاراً، مسؤولين ومصفّقين إلى كلمة سواء: لماذا تعلمون ولا تفعلون؟ لماذا أنتم مسلوبو الإرادة والولاء؟ لماذا تذهبون "حيث ينتظركم الأصدقاء الذين اختاروكم (هم) حلفاء؟" لماذا تفحصون ضمائر الآخرين ولا تفحصون ضمائركم؟ لماذا تحمّلون الناس أحمالاً ثقيلة ولا تمسّونها بإحدى أصابعكم؟....
- "شكراً للمسلمين": نعم وألف شكر لهم ولكل من وجد قاسماً مشتركاً معه في هذا النصّ. رساليّة لبنان في أن ينطلق أبناؤه وبناته من خلفيّات لاهوتيّة مختلفة، ومن عقائد مختلفة، ومن ثقافات متباينة... فيوحّدوا الرؤية والهدف ويبتكروا الصيَغ المناسبة لإدارة شؤونهم المشتركة مقدّمين لكل مجتمع متعدّد نموذجاً في الحوار وإدارة النزاعات والعيش معاً بسلام وازدهار. أجل هؤلاء هم الأقرب إلى ملكوت الله وإلى حقيقة اللاهوت وصفائه.
- "ونحن لا علاقة لنا بهذا التيار العقلاني الأرسطوي"! إذا كنا نبغي الحوار ولقاء الآخرين فكل ما يُهمّ الإنسان يُشغل فكرنا وهو جدير بالإهتمام وله علاقة وجوديّة معنا. والنعمة بالنسبة الى المسيحي شركة مع الذي تجسّد من أجل كل إنسان وكلّ الإنسان. فلا يستطيع في هذه الحال أن يقطع علاقته بإنتاج الفكر الإنساني حتى لو لم يستنر بالنعمة. أوليست رسالة المؤمن المسيحي أن يسعى بكل قواه وبهدي الروح لينفح كل شيء بالنعمة؟ وأضيف، أوليس الخلق بذاته مع كل ما حباه الله من قدرات وسكب فيه من شرائع نعمة؟ ألم يدع الله كل الناس الى الخلاص؟! فلماذا إذاً نشتّتهم فرقاً ونضيف الى حواجزهم حواجز؟
- "ماذا تعني الكنيسة المارونيّة صاحبة المشروع بفصل الدين عن الدولة وهي رافضة العلمنة؟" رغم تناقض عميق بين هذا المقطع الذي ينتهي بهذا السؤال مع ما سبقه نتوقف حوله لأنه لا يعكس بصدق ما أرادت الشرعة أن تقوله. إنطلاقاً من خصوصيّة لبنان تحاول الشرعة أن تشقّ طريقاً وسطاً بين التيوقراطيّة والعلمنة الملحدة وقد اختارت لذلك تعبير الدولة المدنيّة. هذا التعبير يجد جذوره في الدستور اللبناني الذي لا يحدّد للدولة ديناً لكنه في الوقت عينه يحترم كل الأديان ويحافظ على خصوصيّات الطوائف. والشرعة لم تتكلم على المجتمع المدني، والذي لا يعني أصلاً المجتمع الملحد، فالمجتمع المدني هو المساحة العامة صاحبة القدرة على الإبداع باستقلال عن مؤسسات الدولة. والشرعة لم تفصل الدين عن الدولة بل شدّدت على التمايز "حتى حدود الفصل" وليس الفصل! فللكنيسة المارونيّة كما لسواها من الكنائس والأديان أن تعيش وتنمو في كنف الدستور اللبناني ولها جميعها الحق في كلام سياسي ضمن حدود الدستور. وقد يكون للكنيسة المارونيّة، واستناداً الى اعتراف عبّرت عنه، يا صاحب السيادة، في أكثر من مكان، حق أكثر من سواها أن يكون لها "رأيٌ في الشأن اللبناني" وقد أدت دوراً مفصليّاً في إنشاء الكيان. ختاماً يقول التأمّل "إذا كان الهدف الأساسي لهذه الورقة مواجهة مشاكل بلدنا فما نفع القسم الأول من الشرعة؟" لم تقصد الشرعة في قسمها الأول أن تعطي تعليماً سياسياً بلباس لاهوتي، أو أن تقارب الموضوع اللبناني من خلفية لاهوتية، لهذا فضّلت الطريق الآخر وهو التوجه إلى بناء الوعي المسيحي بأن هناك ممارسة مسيحية للسياسة وسلوكيّات مسيحيّة ترتكز على ايمان وعقيدة. فإذا قلنا إن لا علاقة للدين "بمشاكل بلدنا" واستطراداً لا علاقة للدين بمشاكل الحياة، ينتج من ذلك موقف شديد الخطورة للمؤمن ولمن أؤتمن على البشارة بالإنجيل! أوليست معظم مشاكلنا مرتبطة بالدين ؟
الإنسان كائن ديني. وما يجري اليوم من أحداثٍ حول العالم، وما يصرّح به رؤساء مثل ساركوزي واوباما وبلير، وما صدر عن المؤتمر الإسلامي للحوار وعكسه "نداء مكّة"، يؤكّد هذه المقولة. فكل سعيٍ لتجزئة الإنسان الى مادةٍ وروح، الى مواطنٍ ومؤمن، والى فصل القيم عن ينابيعها الروحيّة... لن يُؤدّي الى نتيجة. هذا السعي سيزيد واقع البشريّة تعقيداً. وقد يكون وصف هيغيل للفكر الرومنطيقي أصدق وصف لهذا السعي.
وحدها النظرة الموضوعيّة والشاملة تُنتج الحلول، ووحده المؤمن فعلاً بالتجسّد يستطيع التمييز دون الفصل!
(1) "النهار" في 14/3/2009.
No comments:
Post a Comment