Friday, March 27, 2009

شرعة العمل السياسي التي أعلنتها الكنائس اللبنانية لم تطلق دينامية حتى اليوم من المسؤول عن متابعة تنفيذها ؟ وأي تأثيرات لها عشية الانتخابات النيابية

النهار - الجمعة 27 آذار 2009 - السنة 76 - العدد 23651 - تحقيق


طوني أبي نجم- شرعة العمل السياسي التي أعلنتها الكنائس اللبنانية لم تطلق دينامية حتى اليوم من المسؤول عن متابعة تنفيذها ؟ وأي تأثيرات لها عشية الانتخابات النيابية ؟


أعلنت "شرعة العمل السياسي في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان" في 5 آذار الجاري، وبقيت جملة أسئلة: ماذا بعد إعلان الشرعة؟ ما أهدافها؟ وهل انتهت مفاعيلها بعد ساعات من إعلانها؟ ما الخطوات اللاحقة؟ وأي تأثير للشرعة التي تبنتها كل الكنائس في لبنان على الحياة السياسية انطلاقا من الانتخابات النيابية المقبلة؟


"بعد التشاور في ما آلت اليه الحياة السياسية في لبنان، رأت الكنيسة، بكل طوائفها، ان من واجبها تثقيف الضمائر، فأعدت على مدى أشهر وثيقة سمّتها "شرعة العمل السياسي، في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان"، نظراً الى الحاجة اليها في الظروف الراهنة الداخلية والاقليمية والدولية، ولما يجب ان تكون عليه الممارسة السياسية كي لا تنحرف عن جوهرها واهدافها ودورها في خدمة الانسان والمجتمع.
وبما ان للكنيسة، في الشؤون الانسانية، خبرة طويلة عبر الاجيال، مستندة الى تعليم واسع ومعمّق في الاجتماع والتربية والثقافة والانماء والاقتصاد والسياسة، كان لا بدّ من نشر تعليم يعزز الثقافة السياسية كفنِ نبيل في خدمة الشخص البشري والخير العام. وكان من الضرورة ابراز خصوصية لبنان الوطن والكيان، الميثاق والصيغة، من اجل الالتزام معاً في اعادة بنائه على اسس ثابتة ليستعيد استقراره ودوره في الاسرتين العربية والدولية.


تهدف "الشرعة" الى تعزيز تربية وطنية وتنشئة على المواطنة في المدارس والجامعات، في العائلة والمجتمع، في المجالس الرعوية والمنظمات الرسولية واللجان العاملة في الرعايا والابرشيات.
وتتطلع الكنيسة الى التعاون مع الاعلاميين بتنظيم ندوات حول "الشرعة" بمؤازرة اللجنة الاسقفية لوسائل الاعلام؛ والى عقد خلوات روحية مع احاديث حول مضمونها، تُدعى اليها فئات متجانسة من السياسيين والنقابيين والشباب والنساء والهيئات الاهلية، من اجل شهادة مسيحية بنّاءة في الشؤون الزمنية، وحسن الاداء السياسي في الخدمة العامة.
ولا بدّ من تكثيف اللقاءات بين المسيحيين والمسلمين من اجل تعزيز الثقافة الوطنية الجامعة والتزام العيش بموجبها. فالاوطان تُبنى بافكار ابنائها وارادتهم وقلوبهم وسواعدهم".
هذا ما جاء في تقديم الشرعة كشرح حول أسباب إصدارها. ويقول النائب سمير فرنجية: "أهمية الشرعة أنها صدرت وحددت خيارات أساسية على مستويين: المستوى الأول سياسي ويتجسد في خيار تحييد لبنان عسكريا، وهذا الشعار هو في مواجهة شعار لبنان - الساحة، وهو المدخل لقيام لبنان كدولة.
أما المستوى الثاني فهو أخلاقي، لأن الشرعة وضعت ضوابط للعلاقة بين الناس ولا سيما بين السياسيين".
ويضيف فرنجية "وأهمية الشرعة أنها عمّمت مفاهيم المجمع البطريركي الماروني، وخصوصا لجهة تطوير الدولة ومفهوم العيش المشترك بطرحها مسألة الدولة المدنية الذي أصبح اليوم شعارا معمّما، وخصوصا بعدما تبناه رئيس الجمهورية في خطاب القسم".


ضوابط... الحد الأدنى


أمين سر "تكتل الإصلاح والتغيير" النائب ابرهيم كنعان يشير الى أن "أهم ما في الشرعة هو وضع أسس للتعامل السياسي، وخصوصاً بين المسيحيين، والتعامل بين مكونات المجتمع السياسي بحيث تكون هناك ضوابط تحفظ احترام حق التنافس السياسي واحترام حرية الممارسة وتكرّس حدا أدنى من الالتزام الديموقراطي والأخلاقي بالمبادئ الديموقراطية التي تقوم على الاعتراف بإرادة الناس بعيدا عن أي عنف، سواء الكلامي أو المادي، وهذا من الأمور المهمة التي يجب متابعتها".
ويقرأ الأستاذ المحاضر في القانون الدولي الدكتور أنطوان صفير في الشرعة "أساسا موجها يجب أن يعود إليه أهل السياسة والفكر السياسي في لبنان، مسيحيين وغير مسيحيين، ليشكل إطارا يحدد نظرة الكنائس في لبنان الى دورها وعلاقتها بمفهوم الدولة ونظرتها الى تطوير الحياة السياسية عبر تفعيل المؤسسات الدستورية وتعميق ثقافة الديموقراطية من خلال جملة أطر ومفاهيم ومبادئ ونظريات تضمنتها الشرعة، وهي في مجملها تأكيد متجدد من الكنائس للدور الذي يضطلع به المواطن في فترات مفصلية كالانتخابات النيابية المقبلة، والمسؤول أيضا في خضم الاصطفافات والتنازع على المواقف والمواقع. ومن المستغرب في هذا السياق ألا نسمع أصواتا عالية من قادة الرأي وأهل السياسة تتبنى الشرعة بما أرسته من توجيه وطني عام وتثقيف سياسي يحتاج إليهما مجتمعنا اليوم، بعدما ضاعت التحديدات في السياسة والقانون وعلم الاجتماع السياسي.
هكذا جاءت الشرعة لتضع جملة تحديدات حول مفاهيم الحرية والعيش المشترك والديموقراطية حتى وصلت الى المطالبة بإرساء أسس الدولة المدنية الديموقراطية. وقد وضعت هذه الشرعة خريطة طريق للمرحلة الحالية والمقبلة انطلاقا من نظرتها الى المساءلة والمحاسبة عبر الانتخابات النيابية. وهذه الوسيلة تعتبر الأكثر فاعلية إذا عرف المواطن كيف يستعملها للوصول الى تحقيق الأهداف الكبرى، وفي طليعتها بناء الدولة العصرية التي ترتكز على احترام سيادة القانون، وتكون الغلبة فيها لمنطق الحق".


هل من إطار للمتابعة؟


وإذا كان التوافق كبيرا، على الصعيد النظري على الأقل، بين مختلف الأفرقاء السياسيين حول أهمية الشرعة كوثيقة تاريخية تضع أسسا للعلاقات السياسية بين السياسيين وبينهم وبين المواطنين، إلا أن السؤال الكبير الذي يبقى مطروحا على بساط البحث بقوة هو: كيف يمكن متابعة هذه الشرعة في اتجاه الدفع لتنفيذها ما يؤدي الى إراحة الساحة السياسية، وخصوصا المسيحية تحديدا؟
فرنجية يجيب "لا شك في أنه، وفي اللحظة الانتخابية التي نمر بها حيث الطموحات والأطماع تزداد بشكل طبيعي، ثمة صعوبة في تطبيق الشرعة التي لم توجه الى السياسيين حصرا بل أيضا الى الناخبين. لذلك فإن وضعها موضع التنفيذ قد يكون أسهل من القاعدة في اتجاه الرأس. فهذه الشرعة رسمت خريطة طريق للناخبين تسهل عليهم تحديد خياراتهم انطلاقا من المبادئ الأساسية، ووجودها من المفترض أن يجعل المرشحين في غنى عن استنفار العصبيات الضيقة والمناطقية والعائلية أو حتى استغلال الأوضاع الاجتماعية للناخبين. وأهمية الشرعة أنها تتوجه الى ضمير الناخب. والشرعة في ظل الوضع الحالي يمكن أن توسع إطار الانتخابات من حصر البعض لها في زاوية تحديد الأحجام السياسية والحزبية أو الزعاماتية الى تحديد الخيارات السياسية على مساحة الوطن".
كنعان من جهته يرى أن "متابعة ملف الشرعة يكون بين المسيحيين أولا، كون الاختلاف والتنافس الديموقراطي في الانتخابات المقبلة ينحصر تقريبا في الدوائر ذات الأرجحية المسيحية. وقد تكون المتابعة عبر إقامة نوع من التواصل المستمر بين مختلف الأطراف المسيحية المختلفة أولا يتخطى الحواجز السياسية والخلافات أيا تكن وذلك بإشراف الكنيسة".
ويؤكد صفير أن "الشرعة تشكل صوت ضمير بما للكنيسة من دور توجيهي وتثقيفي في الحياة السياسية والاجتماعية، وهذا ما لا يمكن للكنيسة أن تستقيل منه. والشرعة لم توجد كفكرة في الأساس وكنص ملموس اليوم لتضيف مادة الى الفكر السياسي والوطني، بل هي دعوة صريحة لتتم مناقشتها ويجري تحليلها وبحثها والعمل بها لأنها ليست نصا سياسيا أو برنامجا يخص جماعة أو مجموعة محددة دون سواها".
فرنجية يشير الى أنه" وكون الوثيقة صدرت عن كل الكنائس في لبنان، فإن ذلك يرتب مسؤولية على رجال الدين أولا للالتزام بها وتعميمها على الأبرشيات والرعايا وجميع المؤمنين. وكذلك المسؤولية كبيرة على عاتق السياسيين للعمل على ترجمة هذه الشرعة سياسيا وجعلها قابلة التنفيذ والتزام مضمونها. وثمة مسؤولية أيضا على كل من يتعاطى الشأن العام من إعلاميين وناشطين وباحثين ليأخذوا مضمون الشرعة نحو التنفيذ الفعلي. وعلى سبيل المثال فإن بند الدولة المدنية يحتاج الى أبحاث معمقة ولا يجب أن يبقى شعارا".
كنعان لا يرى من إمكان عملي حاليا للمتابعة "إلا من خلال المفهوم الأخلاقي (morale) للكنيسة وانتظار الانتهاء من الانتخابات لإطلاق ورشة عمل تشارك فيها كل القوى المهتمة، لأن ثمة إمكاناً لرسم خريطة القوى من جديد في الانتخابات النيابية المقبلة. فحتى نغمة 14 آذار و8 آذار التي تتناقض عناوينها مع مضمونها انتهت، وحتى في الشكل، بعدما كان انتهى مضمونها منذ فترة. ونقول أنها سقطت حتى في الشكل بسبب كل ما نراه على صعيد تشكيل اللوائح داخل الفريق الواحد. لذلك نرى أنه يمكن متابعة بعض الأمور في الشرعة قبل الانتخابات، لكن الأساس السياسي والمضمون تبقى متابعته أجدى بعد الانتخابات".


من يتناقض مع الشرعة؟


كنعان لا يرى "تناقضا بين المبادئ التي طرحتها الشرعة وبين ما يطرحه "التيار الوطني الحر" الذي يتفق معها تماما في في العناوين، إنما يدرس المسار العملي للوصول الى تطبيقها.
فلا يمكن الكنيسة أن تحدد أو أن تضع الآلية المطلوبة لتحقيق المبادئ، ويحق لكل فريق سياسي أن يدرس استراتيجيته لتحقيق العناوين الكبرى، ولو اختلف في التكتيك مع الكنيسة. وأنا شخصيا أحترم كل المواقف التي تصدر عن السلطة الكنسية ولو كانت تتعارض مع أسلوبي في العمل السياسي".
فرنجية يشدد على ان "ثمة مشكلة ما بين هذه الشرعة وبين خيارات بعض الأطراف السياسية المسيحية. فعلى سبيل المثال الشرعة لا علاقة لها على الإطلاق بورقة التفاهم بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، ولا علاقة لها أيضا بورقة الاستراتيجية الدفاعية التي قدمها النائب العماد ميشال عون. كما لا علاقة لها بالزبائنية السياسية التي يعتمدها سياسيون من جهات عدة ولا بالعصبيات الطائفية التي يستغلها قسم آخر. وهذه الشرعة تحاول معالجة الأزمة العميقة الموجودة عند المسيحيين، وخصوصا عندما يصبح فريق منهم غير معني بقيام الدولة ويتحول فريقا مساندا لخيارات خارجية. وهذه الشرعة وجدت أيضا لأن فريقا من اللبنانيين بات يعتبر ان الاحتكام الى الدولة ومؤسساتها مرفوض ويذهب في اتجاه شعبوي خطير. فالكلام الذي نسمعه هذه الأيام لم يشهد لبنان مثله حتى في أيام الحرب، وهو يؤدي الى ضرب نظام القيم الأساسي في كل مجتمع. لذلك أجزم بأن الشرعة أساسية قبل الانتخابات لأنها تحدد الخيارات الكبرى، وينبغي أن تشكل دليلا عمليا لجميع السياسيين على مختلف اتجاهاتهم. ومن الأهمية بمكان ألا تكون الشرعة مرجعا نظريا بل مرجعا عمليا وسياسيا لتشكل الدليل الأبرز على استعادة المسيحيين عافيتهم من خلال استعادة المبادرة في معركة استرجاع البلد والدولة سنة 2009، بعدما كانت الكنيسة أطلقت معركة استعادة السيادة عام 2000. وخارج هذه الشرعة ثمة خطر جدي في تهميش المسيحيين بحيث يفقدون دورهم ويتحولون ملحقين في موقع رد الفعل لا الفعل".
صفير يركز على ضرورة أن "نهتم كمواطنين بالبحث في مضمون الشرعة من دون التموضع في خطابات سياسية معتمدة ومستهلكة. ولذلك يجب أن يدرك المواطن والمسؤول على حد سواء أن هذه الشرعة هي خارج طموحات الأشخاص والأحزاب والتيارات، ما يعني أن اي تناقض مع مبادئها يجب أن يشكل حافزا للمتناقضين معها ليعيد كل منهم النظر في ما تبناه من مواقف وما يلتزم به من أفكار ومبادئ وما يعمل له من أهداف، وذلك للعودة الى ضميره الداخلي فيعيد ترتيب أفكاره وثوابته ويقف أمام ما تضمنته الشرعة ليحدد ما إذا كان موقفه اليوم سيرتد عليه وعلى الوطن بالويلات في الغد".

No comments:

Post a Comment