Wednesday, March 11, 2009

مداخلة معالي الوزير ابراهيم شمس الدين في مناسبة إطلاق شرعة العمل السياسي

MCDR News Home


قصر المؤتمرات - ضبيّه
الخميس 5 آذار 2009
أحيّي الكنائس اللبنانية على جهدها وتعاونها واشتراكها في وضع هذه الوثيقة، الشرعة، وثيقة العمل السياسي في ضوء تعاليم الكنيسة وخصوصيّة لبنان. هذا عمل جيّد ومبادرة مطلوبة لبيان موقفٍ وتأسيسٍ لحالةٍ وثقافةٍ وطنيّة في مفاهيم عمليّة واضحة صالحةً للعمل لمن يؤمن فيها ويلتزمها وصالحةً لحوارٍ إيجابي بنّاء ووطني لمن يرى فيها نصّاً إيجابيّاً صالحاً لمشاركة أوسع، حتّى تنتقل من كنسيّتها إلى لبنانيّتها الشاملة وإلى وطنيّتها العامة والكنيسة هي مواطن أيضاً

ويا حبّذا لو أنّ جهداً إسلاميّاً مُشتركاً يُبذَل لتطوير وثيقة مشابهة وملاقية تتآخى وتندمج مع هذه الوثيقة لتكون أساساً عامّاً لتربية مدنيّة أو برنامجاً لثقافة تربويّة ومجتمعيّة وسياسيّة. علماً أنّ نصوصاً إسلاميّة عديدة تأسيسيّة نهائيّة وواضحة مشتركة ووطنيّة طُوّرت وأُعلنت في جهد مشترك بين دار الفتوى والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى مع الشيخ محمد مهدي شمس الدين وقبله مع السيد موسى الصدر وكلاهما مع القيادات الدينيّة المرجعيّة العليا لكافة الطوائف اللبنانيّة . وأعود هنا أذكّر بما ذكره الشيخ الوالد في وصاياه فيما يتعلّق بتأسيس أمانة عامة للقمّة الروحيّة اللبنانيّة تنسّق التشاور بين المرجعيّات في القضايا الوطنيّة العامّة التي يُرادُ أن تُبحَثَ وتكون مجالاً للحوار على مستوى المجتمع وخارج مؤسّسات الدولة

في ما يتعلّق بالشرعة التي هي موضوع لقائنا اليوم، أستطيع أن أقول مرتاحاً، أنّني إذا وضعت جانباً بعض التعابير والمصطلحات التي لها خصوصيّة مسيحيّة عقائديّة فإنّ هذه الشرعة تعبّر عن فهم إسلامي صحيح في المجتمع والدولة ودور السلطة السياسيّة وحقوق النّاس وفي الأسس الأخلاقيّة والدينيّة والسماوية العامّة التي ينبغي أن تنظّم السياق العام لأيّ مجتمع في ناسه ودولته ونظامه السياسيّ. أقول هذا وأتّخذ هذا الموقف وأنا لبنانيٌّ مسلمٌ ملتزمٌُ ومؤمن ممارسةً وتطبيقاً لقواعد إسلامي وأنا أصوليّ في التزامي، أصوليٌّ بالمعنى الإسلامي، وأصوليٌّ بالمعنى العربي، وليس في معنى سياق الغرب الاستشراقي

هذه الأصوليّة التي أنطلق منها هي ذات أصوليّة والدي العالِم والفقيه والمجتهد الذي قال انطلاقاً من إسلاميّتة ومن أصوليّته ذاتها أنّنا نريد في لبنان دولة مدنيّة، دولة بلا دين تحفظ دين الجميع. وهو في علمه وأصوليّته أيضاً قال إنّه واجبٌ على العرب والمسلمين جميعاً أن يحرصوا على الانتماء الكامل والرضى الكامل للمسيحيين، الرضى وليس فقط القبول، الرضى بما يصاحبه من طُمأنينة وسكون نفسٍ وحبور. الرضى وليس فقط القبول، وأن يشجّعوا كلّ الوسائل التي تجعل المسيحيّة في الشرق تستعيد كامل حضورها وفاعليّتها ودورها في صنع القرارات وفي تسيير حركة التاريخ؛ والشيخ كان يعرف تماماً كيف يصنع التعبير وكيف ينحت التعبير الذي يريد والذي يعنيه، وهو لم يكن يتكلّم ليجامل ولم يكن يتكلّم جزافاً أبداً

السياسة فنٌّ شريف هكذا تُقدّم الشرعة السياسة. السياسة فنٌّ شريف لخدمة الناس ولخدمة الخير العام. وأنا أيضاً أقول أنّها إدارة شأن المجتمع البشري بصلاحٍ وعدالةٍ تسمح له بالتطوّر والنموّ الطبيعيّين وتجعله في سلامٍ مع نفسه ومع مجتمعات وشعوب أخرى

ولكن هذا الفن الشريف لا يلتزم به الكثير من السياسيين؛ وربّما بشكل أكثر دقّة لا يستطيعون أن يقيّدوا أنفسهم بهذا التعريف وبتعريفات مشابهة. ففي الواقع المُعاش، السياسة تُعَرَّف وتُمارَس على أنّها التمكّن من إنجاز " المُراد " بأيّة وسيلةٍ تقريباً، على حساب كثير أو قليل من الناس، وعلى حساب كثير من الأخلاق غالباً أو على حساب الله نفسه. وأميل إلى الاعتقاد أنّ النكتة الشهيرة التي تُروى عن ونستون تشرشل هي صحيحة، ذلك أنّه وقف مرّة على أحد القبور فقرأ عليه ما معناه " يرقد هنا السّياسي الشّريف فلان " فعلّق قائلاً مستغرباً: ليس مسموحاً في بريطانيا، في حدود علمي، أن يُدفَن َرَجُلان في قبرٍ واحد

هل هناك تعارض بين الإيمان والعمل السياسي؟ ألا يمكن لمؤمنٍ في أي إيمانٍ كان وأنا لا أتكلم عن المتعصّبين أوالمتطرّفين هنا أن يعمل في السياسة وفي إدارة شأن المجتمع وينجح في عمله ؟ هل يجب أن يفشل لأنّه مؤمن ؟ هل يجب أن يُفَشَّل لأنّه مؤمن وأخلاقي؟ هل السياسة عصيّة على الإيمان ؟ أم هي خارج نطاق الإيمان و أنّّها لا تعني الله في شيء ؟
هل يتغيّر التكليف الديني أو الأخلاقي للإنسان عندما تتغيّر مسؤوليّته أو مهنته؟ هل يجوز للسياسيّ ما لا يجوز لغيره؟ هل يحقّ للسياسيّ، أو للرجل العام، الكذب والنّفاق والسّرقة، ويُحرّم كل ذلك على المواطن العادي؟
هل خلق الله الناس بصلاحيّات وامتيازات مختلفة بحيث يكون غير عادل في علاقته مع البشر؟ هل جعل الله الدِّين للأفراد بما هم أفراد وليس بما هم يشكّلون مجتمعاً سياسيّاً واحداً ؟
هل ما يجوز دينيّاً للسياسي المسلم يختلف عمّا يجوز دينيّاً للسياسيّ المسيحيّ، ونحن نتكلّم عن نفس الإله ونفس الخالق لكل الناس؟
طبعاً هناك جواب واحد لكلّ هذه الأسئلة: هو كلا! الجواب هو بالنفي دائماً
إنّ أصعبَ ما يواجهنا كمواطنين – في السياسة ومع السياسيين - أنّنا نصبح مع بعضهم موضوعاً لحكمهم وسيطرتهم وليس موضوعاً لحبّهم. ولا ينطبق مفهوم الراعي الصّالح على مثل هؤلاء. هذا المفهوم يتبنّاه ويتمسّك به الناس العاديّون، الناس الشرفاء، ولا يتبنّاه هذا البعض. ويوجد الكثير من الرعاة الذين يفترسون قطعانهم التي ائتُمنوا عليها ويُغيرون على قطعان غيرهم من الرعاة ويقتلون حتّى الكلاب التي تحرسها، حتّى لا تكون شاهدة على جريمتهم وعلى غدرهم

إنّ بعض السياسيّين، حين يصل إلى السّلطة، تصبح السّلطة موضوعاً لحبّه وليس الإنسان وليس المواطن. ويصبح الله بالنسبة إليه وسيلةً للسلطة وللبقاء فيها. ويصبح الدِّين وسيلة للدّنيا بدل أن تكون الحياة الدّنيا طريقاً إلى الآخرة وإلى الله
إنّ خدمة الناس، كلّ الناس في كلّ دين، ورعايتهم هي في صلب دين الله كل دين، وهي موضوع الحب الإلهي وهي موضوع محبّة الله. كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته
إنّ فكرة الدّولة ، إنّ مفهوم الدّولة عند الله لا يقوم على حكم الناس رغماً عنهم بل يقوم على إدارة شؤونهم برضاهم وقبولهم. وكما أنّ حياتنا في هذه الأرض هي أمانة
لدينا يجب أن نُحسِن الاستفادة منها قبل أن يستردّنا الله إليه، كذلك إنّ حياتنا وقيمتها ومستقبل أولادنا كلها أمانةً في أيدي السّياسيّين الذين يتولّون إدارة شؤون مُجتََمعِنا ويجب أن يُحسنوا حفظ هذه الأمانة بصدق، بصدق معنا وبصدقٍ مع الله.

إنّ علاقتنا فيما بيننا نحن المسلمين والمسيحيّين في لبنان يجب أن تحكمها وتقودها دائماً مقولة أحد ولدَي آدم لأخيه " لئن بسطتَ إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إنّي أخاف الله ربّ العالمين " المائدة -28
أنا أحبّ كثيراً أيّها الإخوة الكرام أن أرى وإيّاكم ، أن نرى معاً، أن نحضُرَ يوماً معاً ، أن ندفُنَ فيه سياسيّاً شريفاً في قبرٍ واحد
والسلام عليكم

No comments:

Post a Comment