المستقبل - الخميس 12 آذار 2009 - العدد 3244 - شؤون لبنانية - الصفحة الخامسة
أحمد الزعبي
في زحمة الأحداث التي يشهدها البلد، مرّ منذ بضعة أيام نصّ صادر عن كنائس لبنان جميعاً يحدّد الأطر ـ المبادئ ـ القيم "للعمل السياسي في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان"، أي للمجموعات اللبنانية المسيحية. ولكن من خلال مطالعة هذا النصّ يتبين فوراً أن أهميته لا تكمن فقط في كونه صادراً عن الكنائس اللبنانية وفي مقدمتها الكنيسة المارونية، بل لتجنبه على امتداد فقراته المتصلة بالمباشر من العمل السياسي والوطني، الحديث عن المسيحيين بوصفهم فئة مستقلة أو منعزلة عن سائر اللبنانيين، بما يعكس ،بحق، وعياً عميقاً لفكرة العيش المشترك صيغة وميثاقاً
.فإذ تذكّر "الشرعة الكنسية للعمل السياسي" بأن "السياسة فن شريف لخدمة الإنسان والخير العام"، حددت ما هدفت إليه، أو بعضاً من هذه الأهداف بـ "أن توفر للشعب اللبناني ثقافة سياسية عامة بأبعادها الروحية والخلقية والاجتماعية والوطنية. وأن تضع أهل السياسة أمام مسؤولياتهم وواجباتهم"، كما أنها تحدد "المعايير التي توجه المواطنين في اختيار ممثليهم في الجماعة السياسية ومحاسبتهم ومساءلتهم
العيش المشترك في مرآة مسيحية
وفي استعادة لبعض مواد "الشرعة" تشكل عبارات من مثل "يعمل المسؤولون السياسيون بروح الميثاق الوطني القائم على العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين، وبالأمانة للصيغة اللبنانية التي تجسد هذا الميثاق في المشاركة الفعلية من قبل الجميع بالمساواة والإنصاف" (المادة 17)، و"فيما يميز نظام لبنان بين الدين والدولة ويحفظ استقلالية كل منهما، فإنه يشكل دولة مدنية تحترم الله وشريعته وتعترف بحرية المعتقد (..) يلتزم اللبنانيون مقتضيات الميثاق الوطني هذه، متجنبين في آن الذوبان في مشاريع وحدوية عقائدية"، و"يحمل اللبنانيون مسؤولياتهم أمام الله الذي يدعوهم ليعيشوا معاً، على اختلاف ثقافاتهم وأديانهم، فيبنون معاً وطناً واحداً نموذجياً للعيش المشترك وللحوار بين الأديان والثقافات" (المادة 19). تشكل هذه العبارات الأطر لقراءة المسألة المسيحية في مرآة المسألة اللبنانية العامة، أي من منطلق الهموم والتحديات والمصائر المشتركة لجميع أبناء البلد
ولعل هذا الخطاب هو الذي يجعل "الشرعة" لا تخاطب المسيحيين بشكل خاص إلا في حدود الاقتباسات الروحية التي تذكر بدور الكنيسة وتعاليمها أو عن التمايز والتعاون بين الكنيسة والدولة، حين تدعو الى "وجوب احترام التمايز بين الدولة والكنيسة (..) ووجوب حفظ استقلالية الواحدة عن الأخرى في حقل عملها الخاص" (المادة 7)، وحين تقول بأن الفصل بين الدين والدولة يوجب "قيام دولة مدنية تحترم الأديان وتصون حرية المعتقد والعبادة، فيما تتولى هي دون سواها إدارة الشأن السياسي والاقتصادي والمالي والعسكري، ويبقى من حق الدين أن يعطي حكمه الأدبي في أعمال هذه الإدارة وأدائها من ناحية نتائجها الخلقية والإنسانية" (المادة 8)، ومن ثم بتوجهها الى المسيحيين بضرورة أن تتصف ممارستهم للسلطة السياسية بـ "استلهام ضميرهم المسيحي" و"الجمع بين موجبات العمل السياسي والمبادئ الأخلاقية" و"روح الخدمة المتجردة والسخية"، و"التحلي بالقيم الإنجيلية والإنسانية"، و"التزام قضية السلام وتعزيز الديموقراطية" (المادة 13). لتخلص الى أن العمل السياسي الذي يلتزم خدمة الإنسان "يتأسس على الحقيقة، ويُحمى بالعدالة، وينتعش بالمحبة وينمو بالحرية" (المادة 3
النص ـ الشرعة مسكون، إذاً، بوعي عميق لفكرة العيش المشترك بإرادة عميقة أيضاً لتجديد هذه الصيغة من خلال إبراز وجهة نظر الكنائس المسيحية بأن لا مكان للتنافر والانعزال والاستقطاب على الرغم من أن السمة الغالبة على الوضع اللبناني الراهن هي الاستقطاب السياسي والتنافر الطائفي والمذهبي.احياء لبنان = الدولة المدنية
في ما يشكّل برنامجاً متكاملاً يحدد الثوابت والمعايير للبنانيين المسيحيين، للاهتداء به في ممارسة العمل الديموقراطي، تدعو الشرعة الكنسية، في سياق حديثها عن العمل السياسي المباشر، الى المحافظة على روح الميثاق الوطني والصيغة اللبنانية (مع تطويرها)، وتحدد أربعة مداخل تشكل الأطر لهذا العمل
ـ وحدة القرار السياسي للدولة، فـ "واجب احياء لبنان يقتضي من متعاطي السياسة والشأن العام ان يتمسكوا بمباديء الحوار وحل الخلافات 21 في اطار المؤسسات الدستورية، رافضين الاحتكام الى أي شكل من أشكال العنف والصدامات المسلحة" (المادة
مرجعية السلاح لمؤسسات الدولة من جيش وقوى أمن دون سواهم للمحافظة على امن المواطنين" (المادة 21).ـ تحقيق اللامركزية الادارية الموسعة واللاحصرية ومحاربة الفساد (المادة 22)، وهو المطلب المزمن للمسيحيين الذي دخلوا على أساسه اتفاق الطائف
ـ وتحييد لبنان عن الانجراف في سياسة المحاور الاقليمية والدولية (المادة 22) بما يضمن حياديته عن صراع المحاور واستباحة الساحة اللبنانية.لكن، وللانصاف، فان ثمة نقطتين اشارت اليهما الشرعة، ولم تغيبا عن بال واضعيها، هما ـ ضرورة تنظيم العلاقات بين الدولة اللبنانية والسلطة الفلسطينية، بالسعي الى حل عادل للقضية الفلسطينية وضمان حق العودة، وضبط السلاح الفلسطيني في لبنان وتحسين أوضاع اللاجئين
ـ بناء علاقات سليمة مع سوريا والبلدان العربية الاخرى على أسس الاحترام المتبادل لسيادة كل دولة وحدودها" (المادة 24). وهنا يخلص
ـ بناء علاقات سليمة مع سوريا والبلدان العربية الاخرى على أسس الاحترام المتبادل لسيادة كل دولة وحدودها" (المادة 24). وهنا يخلص
هذا القسم، الى الاعلان ان "احياء لبنان يقتضي ان تنشأ دولة مدنية ديموقراطية حديثة، تميز حتى حدود الفصل بين الدين والدولة، تمارس الديموقراطية ممارسة صحيحة، توفق بين مقتضيات المواطنة والتنوع، وتضع قانون عادل للانتخابات النيابية" (المادة23
الشرعة وإرث الإمام شمس الدين لا مبالغة في القول، ان في ما تطرحه الشرعة الكنسية في مختلف المجالات التي عرضت لذكرها يصلح أساسا لكل اصلاح في الدولة ولكل تجديد في الصيغة. فهذا الطرح يعكس نفياً عميقاً لنماذج "المحاصصة" و"المزرعة" و"الكانتون" و"الدويلات" و"الوصاية" و"بدع التوافق" وقبل كل ذلك "دولة الطائفية" التي لا يمكن لها جميعها ان تكون دولة حقيقية تضاهي النموذج
والتجربة والرسالة اللبنانية
والتجربة والرسالة اللبنانية
ثم ان النص يعيد الاعتبار لحقيقة ان الدولة في لبنان هي "مدنية" في الاصل قبل ان تحولها الصراعات والمصالح والوصاية الى "محاصصات طوائفية"، وفي هذا الاتجاه معنى سياسي عميق قائم على خصوصية لبنان وهو قدرة هذا البلد على تقديم نموذج يجمع ما بين "الاصالة" و"الحداثة" في ممارسة العمل السياسي المتنوع الذي يحترم الخصوصيات في اطار التنوع والوحدة، ويراعي التطور الطبيعي للمجتمع اللبناني، وهنا، عند الحديث عن الدولة المدنية وسعة آفاق التركيبة اللبنانية لتبنيها، تحسن الاشارة الى جهد اسلامي متميز عبرت عنه "اجتهادات" الامام الراحل محمد مهدي شمس الدين على امتداد عقد ونصف من القرن الماضي (1987 ـ 2000) حول الدولة المدنية، في كتابيه "الاجتماع السياسي الاسلامي" (1996) و"لبنان الكيان والمعنى" (2003) ففيهما، اذا ما أضيفا الى الشرعة ما يغني البحث في خطوات بناء الدولة المدنية الحديثة في لبنان خارج الاستقطابات السياسية او الطائفية او المذهبية
لا تخرج الشرعة الكنسية للعمل السياسي في روحيتها ومضمونها ومبادئها عن مقررات المجمع البطريركي الماروني الذي عقد في أيلول 2005 ومثّل حينها، بحسب مراقبين كثر، ترجمة كنسية محدثة لاتفاق الطائف، وخصوصاً في دعوتها لتفاعل اسلامي ـ مسيحي قائم على معايير الأخلاق والحرية والمساواة واحترام التنوع في إطار وحدة تحترم الاختلاف على كل الصعد، كما تحترم المسارات الديموقراطية للعمل السياسية وتحييد مسألة العدالة عن المزايدات والمساومات، وأمام نصّ بمثل هذه الرؤية وتلك الروحية، يحضر سؤال سياسي هو: متى يتوصّل السياسيون الموارنة، كلّهم أو بعضهم، الى الخلاصات التي انتهت إليها الشرعة الكنسية؟ ومتى يقرّون مع كنائسهم بأن لا ضمان للمسيحيين ـ كما للمسلمين ـ إلاّ في الإطار اللبناني العام وفي رحاب دولة حديثة؟ أسئلة واستفهامات لعل الأسابيع القليلة كفيلة بالاجابة عنها، وخصوصاً اذا استلهم من توجهت الشرعة اليهم بروحيتها وهديها، وفيها أنه "يشترط بالمرشح للنيابة أن يكون ولاؤه أولاً وأخيراً للبنان" (المادة 29)، وأن الديموقراطية تقتضي "أن يحاسب المواطنون ممثليهم ويسائلونهم بشأن الشروط التي ترشحوا على أساسها" (المادة 31)
0 comments:
Post a Comment