السفير سمير حبيقة - الديموقراطية التوافقية والحياد الإيجابي في "شرعة العمل السياسي"
"حسنا فعل معدو "شرعة العمل السياسي" في "المركز الماروني للتوثيق والابحاث" و"اللجنة المشتركة للكنائس المسيحية في لبنان"، باعتمادهم مبدأين اساسيين من المبادئ السياسية التي شرع لبنان اخيرا في استلهامها والسير في هديها بخطى متسارعة ولكنها حذرة في هذه المرحلة المفصلية من مراحل تاريخه المعاصر. فلكأنه كثير على الوطن الصغير ان يبقى نظامه السياسي في طور النشوء والتكوين، وان يعيش ابدا في التوازن اللامستقر، وان يتخبط باستمرار في الادوار التجريبية، بحثا عن الصيغة المثلى التي تتلاءم وطبيعته المعقدة، وتجسيدا للرسالة الحضارية التي يضطلع بها في محيطه العربي والعالم، حتى اذا ما بلغها يوما، واستوى به المقام في زمن الاستكانة والاستقرار، ادرك ما يصبو اليه من توازن مستدام، به وحده يكون ارتقاؤه في معارج النمو والتطور والازدهار.
حسناً اذاً صنع واضعو الشرعة باعتمادهم اولا مبدأ الحياد سياسة للبنان على الصعيد الخارجي، ثم في اعتمادهم ثانيا مبدأ الديموقراطية التوافقية نهجا للحكم السوي على الصعيد الداخلي. فقرنوا الحياد بالتوافق، واضاؤوا على الجدلية القائمة ما بين هذين المفهومين، والتلازم الذي يجمعهما، حتى ليبدوان وكأنهما وجهان لعملة واحدة: فلا توافق من دون حياد، ولا حياد من دون توافق، وفقا للصيغة المبتكرة التي ابتدعها واضعو اتفاق الدوحة وموقعوه، وما نص عليه من انتخاب رئيس للجمهورية توافقي، وتأليف حكومة ائتلافية، تضم الاكثرية والاقلية في آن، من دون ان تعطى الارجحية فيها لاي من الفريقين، مدركين ان حكومة فيها الغلبة لهذا الفريق الداخلي او ذاك، في ظل الانقسام الحاد في ما بينهما، كيف لها ان تلتزم الحياد في السياسة الخارجية؟ او كيف لحكومة منحازة لهذا المحور الخارجي او ذاك، ان تكون حكومة توافقية؟ فالتوافق الداخلي اذاً ينعكس في الخارج حيادا، والحياد الخارجي ينعكس في الداخل توافقا. إلا ما كان محط اجماع مسبق لدى اللبنانيين جميعا، عنينا الموقف الواحد الموحد من الصراع العربي – الاسرائيلي والتزام الجميع بالقضية الفلسطينية، وانحيازهم الى إحقاق الحق، مما يضفي على الحياد اللبناني طبيعته الناشطة وطابعه الايجابي المنشود.
ذلك ان الحياد الذي تحدثت الشرعة عنه، ودعت اليه، انما هو هذا الحياد الايجابي بالذات، المنخرط في القضايا العادلة، الملتزم شرعة الامم المتحدة وجامعة الدول العربية، المنضوي تحت لواء الحق الانساني. وهو اذ يقوم بحسب الشرعة، على "الابتعاد عن سياسة المحاور الاقليمية والدولية، وعدم التمحور في احلاف خارجية، يسعى الى حل عادل للقضية الفلسطينية مرتكز على قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة"، ويحرص على "الانفتاح والتفاعل مع المحيط العربي، متجنبا في آن الذوبان في المشاريع الوحدوية، او اللحاق بالتبعية الغربية"، (صفحة 22 فقرة ب، وصفحة 46 مادة 18، وصفحة 50 مادة 24/ أو صفحة 51 مادة 28/ أ). ولان الحياد لا يقوم ولا يدوم الا اذا كان حيادا مسلحا، يدافع عن نفسه بنفسه، وقادرا على صد اي اعتداء، وفق ما بينته التجارب الحيادية في سويسرا والنمسا وفنلندا او سواها، فلقد دعا اصحاب الشرعة الى "تحييد لبنان مع تعزيز قدراته الدفاعية (ص 320/ ب) والى "تعزيز الثقة بقواه المسلحة، وتوفير الدعم لها، وتجهيزها، وتشجيع الشباب على الانضواء تحت لوائها (صفحة 27/2) وكرروا الدعوة في الصفحة 52/ ب الى تعزيز القوى الشرعية المسلحة القادرة على حماية الجميع، فتزول الحاجة الى اي استثناء. فاذا ما عطفنا هذه الفقرة على ما ورد في الشرعة حول "ضرورة حصر السلاح بالقوى الشرعية اللبنانية، واخضاع المهمات الدفاعية والامنية لقرار السلطة السياسية من دون سواها (صفحة 37 فقرة 2) وايجاد حل لمشكلة السلاح داخل المخيمات وخارجها (صفحة 37 فقرة 1)، لعلمنا اية استراتيجية دفاعية وطنية، واية دولة قادرة وعادلة، تطمح الشرعة الى تحقيقها.
انها العودة بشكل او بآخر الى ميثاق العام 1943، حيث لا شرق ولا غرب، ولا خضوع لانتداب، ولا ذوبان في وحدة. ما خلا مقولة ان قوة لبنان في ضعفه، التي استبدلت بان قوة لبنان في "جيشه القوي القادر على حماية الجميع". وهو ما بات عند اللبنانيين يشكل قناعة راسخة، فرضتها عليهم التوازنات القائمة في ما بينهم، كما املتها عليهم المعادلات الدولية، وموازين القوى الاقليمية. حتى امسى الخروج عليها اخذا بالبلاد نحو الهاوية. وهذا ما ادركه الجميع اخيرا، وما نادوا به، وما اجمعوا عليه. كلهم طالبوا او باتوا يطالبون بالابتعاد عن سياسة المحورين وعدم الانحياز نحو اي من المعسكرين. حزب الله نفسه على لسان امينه العام برر مطالبته بالثلث الضامن بالقول "ان اعطونا الثلث الضامن فنحول دون انحياز الدولة نحو المحور السعودي الاميركي، وتحول اكثريتهم دون انحيازهم نحو المعسكر السوري الايراني". السيد وليد جنبلاط، امام لجنة المتوسط في الاشتراكية الدولية، دعا الى "اعتماد سياسة الحياد الايجابي التي تحمي لبنان من التمزق". الرئيس امين الجميل يرفض "أن يكون لبنان في اي من المحاور العربية". والعماد ميشال عون دعا منذ البدء الى النأي بلبنان عن التبعية والاحلاف. والقوات اللبنانية دعت في مشروعها للاستراتيجية الدفاعية الى تبني سياسة الحياد الخارجي، والرئيس نبيه بري ما فتئ يعيد الى الاذهان معادلة السين سين، الى الكتلة الوطنية، الى الوطنيين الاحرار، الى قوى 14 آذار مجتمعة واعلانها "ان لبنان لا يمكن ان يكون طرفا في اي محور عربي" الى العديد من منظمات المجتمع المدني وهيئاته.
كلهم اذاً نادوا بالابتعاد عن سياسة المحاور، ونداءاتهم كلها صبت في خانة القرار الحكومي الجامع، حيث المواقف الخارجية باتت تتعادل وتتوازن وتتساوى، وحيث الرئيس ميشال سليمان يمارس حكمة التوازن والتوسط والاعتدال، بجدارة وحذق واتقان، فيعيد الى لبنان دوره الرائد، وطنا ذا رسالة حضارية في محيطه والعالم، قائمة على احلال التحاور بدل التصادم، والتسامح بدل التعصب، والتوافق حيث هناك اختلاف، والتواصل حيث ثمة قطيعة وافتراق. مقرا دوليا نموذجيا لحوار الحضارات والثقافات والاديان.
جميعهم اذاً توافقوا على نبذ سياسة المحاور. وهو هذا التوافق بالذات، ما اعتبرته "شرعة العمل السياسي" احد مقومات النظام السياسي اللبناني، فدعت الى اعتماد "الديموقراطية التوافقية" سبيلا ناجعا لوحدة القرار السياسي. وهي ديموقراطية نسيج وحدها، تجمع ما بين التنافس والتوافق بحيث يصح نعتها بالديموقراطية التوافقية "المركبة". "تنافسية هي ضمن الجماعة المتجانسة طائفيا (اي ضمن الطائفة) وتوافقية هي في الوقت عينه ضمن المجتمع الاوسع المتنوع طائفيا، كما هي الحال في خصوصية لبنان، بحيث "أن السلطة السياسية تعمل للخير العام، وليس فقط لتوجهات الاكثرية، فتتأمن بذلك المشاركة الفاعلة والمتوازنة من قبل الطوائف جميعها (صفحة 49 مادة 23/ ج) "انها الديموقراطية التعددية التوافقية التي ارتضاها اللبنانيون، وكرسها الدستور، حفاظا على مكونات المجتمع اللبناني التعددي". "وهي المشاركة المتوازنة في الحياة الوطنية والقرارات المصيرية في ادارة شؤون الوطن"، بحسب ما جاء في الشرعة في الصفحة 28، كما هي "المشاركة الفعلية من قبل الجميع بالمساواة والانصاف في الحكم والادارة (صفحة46 مادة 17).
أليس هذا ما طمح اليه اللبنانيون منذ البدء؟ اليست هذه هي فلسفة الميثاق الوطني؟ ألم يكن هذا في مرحلة من المراحل، وبالكلام الذي اصبح دارجا اليوم، مطلب الطائفة السنية على قاعدة 6 و6 مكرر، يوم كانت مقاليد الحكم بحسب قولهم في يد المسيحيين؟ ألم يصبح هذا المطلب بعد ذلك من مطالب الطائفة الشيعية، حتى كان اتفاق الدوحة، وما تلاه من مشاركة فاعلة بالثلث الضامن على الصعيد الحكومي؟ وحدهم المسيحيون اليوم ما زال يخالجهم شعور بالغبن، كالذي خامر الطوائف الاخرى من قبل، وادى الى ما ادى اليه من تناحر واستقواء بالخارج وصراع، والشعور المسيحي هذا يترجم حينا مطالبة باستعادة صلاحيات الرئاسة او بتوسيعها، ويترجم حينا آخر بضرورة المشاركة المسيحية الفاعلة داخل مجلس الوزراء، او باعطاء الثلث الضامن لرئيس الجمهورية، او بوضع قانون للانتخاب يمنحهم حق التمثيل الصحيح، او بتطبيق اللامركزية الادارية الموسعة التي نص عليها اتفاق الطائف. او في العودة الكثيفة الى المواقع العائدة لهم انصافا في الادارة، والتي خسروها بفعل الحرب والهجرة والتهجير، او بتوحيد الصف المسيحي اسوة بسائر الطوائف. لا يقصدون بذلك استعادة الهيمنة التي أُلصقت بهم عن حق او غير حق، والتي بات سواهم متهما بها في الوقت الحاضر، بل إحقاقا للتوازن، واستعادة للمساواة التي على اساسها نشأ لبنان، من خلال "مشاركة فاعلة ومتوازنة من قبل الطوائف اللبنانية جميعها"، الى حين قيام الدولة المدنية التي يطمح اليها الجميع، وفقا لما عبر عنه بكلام ولا ابلغ، مفكرو الشرعة وواضعوها (ص 41 مادة 8).
الحياد الخارجي ازاء المحاور مبني اذاً على التوافق الداخلي. والتوافق الداخلي مرتبط بانتهاج سياسة الحياد. على ان ذلك وحده لا يكفي بل ينبغي للحياد كي يستمر ويدوم ان يحف به توافق خارجي، وهذا التوافق لا يتحقق الا اذا اقتنعت القوى الخارجية بان لها مصلحة اكيدة في هذا الحياد. فتعترف اذذاك به، وتعلن تأييدها له، والمحافظة عليه، مثلما فعلت دول اوروبا بالنسبة الى الحياد السويسري، وما صنعه الحلفان الاطلسي وفرصوفيا بالنسبة الى الحياد النمسوي، وما اقدم عليه الاتحاد السوفياتي والغرب بالنسبة الى فنلندا. ولعل في التفاهم الحاصل في اجتماع الرياض الاخير ما بين السعودية وسوريا ومصر، في ظل الانفتاح الاميركي على سوريا وايران، والذي نرجو ان يتكرس في اجتماع القمة المقبل في الدوحة، ما يعبر عن توافق ضمني ما بين تلك الدول، على ترك لبنان وشأنه، لا بل على تحييده عن صراعاتها، لإدراكها اخيرا ان في ذلك افادة لها جميعا. وهذا ما اشارت اليه تقارير صحافية واردة من هناك، تحدثت عن ان اتفاقا عربيا عربيا حصل على اتخاذ موقف محايد من الانتخابات النيابية اللبنانية، مبني على اقتناع وتفاهم بان لبنان سوف لا يحكم الا بالتوافق بين اطرافه. حتى فرنسا بالذات، على لسان رئيسها ساركوزي، تحدثت عن حكومة التوافق والاجماع الوطني، في مرحلة ما بعد الانتخابات، وكأني بالرئيس الفرنسي يردد على مسامع ضيفه الرئيس سليمان، ما قاله نابليون للسويسريين، حول استحالة الحكم الاكثري في سويسرا على الطريقة الفرنسية: "ان الله حباكم بلدا تعدديا، فمن العبث التمرد على ارادة الله".
No comments:
Post a Comment