Friday, July 3, 2009

كلمة الأستاذ مارون الخوري في حفل توقيع كتاب ميثاق 1943 للخوري باسم الراعي

MCDR News Home
جامعة الروح القدس - الكسليك
الجمعة 26 حزيران 2009

ميثاق 1943، تجذّر الهويّة اللبنانيّة للدكتور الخوري باسم الراعي. إنّه باكورة إصدارات المركز الماروني للتوثيق والأبحاث بعناية ومجهود وتدبير كاهن مبرمج وموثّق من الطراز الأول في الطّائفة، مدير عام المركز المونسنيور كميل زيدان الذي اختار التوقيت لمناسبة إعلان بيروت عاصمة عالميّة للكتاب 2009-2010
هذا الميثاق أريق الكثير من الدّماء والمِداد على جنباته، إمّا للدّفاع عنه وإمّا للإجهاز عليه، وفي الحالين صمد حتّى الآن. ولكن إلى متى ؟
آخر مقالة كتبها عنه في جريدة النهار الأستاذ إميل خوري يوم الإثنين الفائت في 22/6/2009 تحت عنوان: " لا شرق ولا غرب ". هذا البناء السلبي لم يجنّب الوطن المنزلقات والتّوتّرات التي حذّر منها الأستاذ جورج نقاش بقوله:
« Deux négations ne font pas une nation »

الدّلائل والبراهين، قديمها وحديثها، لا زالت راسخة في الذّاكرة الفردية والجماعية
هل الصّراع محصور على الهوية فقط ؟ وبوجوده كيف تتجذّر هذه ؟. متى ترقى الهويّة إلى مستوى اﻠـ évidence أو اﻠـpostulat ؟ فلا تعود " محطّ " تشكيك دائم وخطر داهم، فتنصرف السلطة إلى تطبيق برنامج الترقّي البشري وتحقيق التنمية الشاملة وإرساء قواعد متينة للدّولة العصريّة الدّيمقراطيّة.
في الميثاق ، " لبنان ذو وجه عربي". في الطّائف والتّعديل الدستوري في 21/9/1990، أصبح " لبنان عربي الهويّة والإنتماء ". هل يمكن البحث والحديث عن الهويّة اللبنانيّة ؟

- مداخلات تلقي الضّوء.

المحامي مارون الخوري

كلمة الأب بولس روحانا في حفل توقيع كتاب ميثاق 1943 للخوري باسم الراعي

MCDR News Home

جامعة الروح القدس - الكسليك
الجمعة 26 حزيران 2009

أصحاب السيادة السامي احترامُهم
أيّها الحفل الكريم
يُسعدُني ويُشرّفني أن أرحّب بكم جميعاً باسم رئيس جامعة الروح القدس، الكسليك، حضرةَ الأب هادي محفوظ المحترم، وقد جئتم غلى هذا الصرح العلمي للمشاركة في حفل توقيع الكتاب الأوّل للخوري باسم الراعي وهو بعنوان :" ميثاق 1943 تجذّر الهويّة الوطنيّة اللبنانيّة". والكتاب الذي يجمعنا في هذه الأمسية هو الترجمة العربيّة لأطروحة الدكتوراه التي أعدّها الخوري باسم باللغة الفرنسيّة وناقشها بجدارة مميّزة في كليّة اللاهوت الكاثوليكي في جامعة مونستر الألمانيةز ومن دواعي اعتزازي وفرحي اليوم أنّ الخوري باسم هو من قدامى كليّة اللاهوت الحبريّة في جامعة الروح القدس، الكسليك، حيث حاز بنجاح كبير بعد خمس سنوات من الدراسة على شهادة البكالوريوس القانونية في اللاهوت التي تعادل شهادة الليسانس حسب النظام اللبناني. ويسعدني أن يكون اليوم في عداد أساتذة الكليّة بعد أن أكمل دراسته في ألمانيا، جامعاً بين التجذّر في ثقافة بيئته الأصليّة وانفتاحه الإيجابي على ثقافات العلم الرحب.
ويُشكّل هذا الكتاب الذي يندرج في مجال اللاهوت السياسي باكورة إصدارات المركز الماروني للتوثيق والأبحاث حيث يعمل الخوري باسم بنشاط وجديّة منذ أن عاد من ألمانياز وقد أنْشَأَ هذا المركز غبطةُ أبينا البطريرك، الكاردينال مار نصراللَّه بطرس صفير، في أيلول 2004، ليكون للموارنة في النطاق الانطاكي وبلاد الانتشار، مؤسّسة ثقافيّةً وعلمية، يَسعون من خلالها، وبالتعاون معها، إلى التعرّف العلمي على تاريخهم وواقعهم في محاوره المتعدّدة، والتعريف به في كلّ المنتديات، واستنباط الوسائِل الفعّلة لتعزيز حضورهم الكنسي والثقافي والوطني في ضوء إيمانهم وثوابت تاريخهم. ولايسعُني إلاّ أن أثني على مشروع التعاون بين المركز الماروني للتوثيق والأبحاث وجامعة الروح القدس-الكسليك، وهو الآن قيد الدرس بين الفريقين، متمنّياً أن يُبصر النور قريباً، لما فيه خير الكنيسة والمجتمع.
وقبل أن أتركَ الكلام إلى أصحاب الكلمة المسؤولة الذين سيُلقون الضوء على بعض جوانب الكتاب الذي يجمعنا، أودُّ ان أهنّئ باسمكم وباسم جامعة الروح القدس، الكسليك، حضرة الخوري العزيز باسم الراعي على مولوده الجديد، والمركز الماروني للأبحاث والتوثيق، بشخص رئيسه سيادة المطران سمير مظلوم الجزيل الاحترام، على هذا الإصدار الأوّل، مؤمناً مع الكثيرين أن ميثاق 1943، بقدر ما نعي أنّه متجذّر في التربة اللبنانيّة المتنوّعة البذور، يكون بالنسبة إلينا ايوم وإلى الأجيال المقبلة بمثابة الروح التي تجمع بيننا وتصون من الداخلِ "الوطنَ الرسالة" الذي ارتضيناه معاً بالكثير من الدموع، وعلى رجاء فرح الحصاد، مردّدين مع صاحب المزامير:
"الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالترنيم.
الذي ينطلق ذاهباً، باكياً، وهو حامل بذراً يزرعه، سيرجعُ قادماً مرنّماًوهو حاملٌ حِزَمَهٌ". (المزمور 126(125))

كلمة سيادة المطران سمير مظلوم في حفل توقيع كتاب ميثاق 1943 للخوري باسم الراعي

MCDR News Home


جامعة الروح القدس - الكسليك
الجمعة 26 حزيران 2009



يسعدني ويشرفني أن أرحّب بكم باسم المركز الماروني للتوثيق والأبحاث ، وأن أشكر لكم تلبيتكم دعوتنا الى هذه الندوة حول كتاب الخوري باسم الراعي ، المسؤول عن الأبحاث في مركزنا ، الذي يقدّم دراسة فلسفية وتاريخية للميثاق الوطني اللبناني ، هي أطروحته لشهادة الدكتوراه من جامعة مونستر الألمانية

وأعدّ نفسي محظوظا لأنه قد تسنى لي أن أرافق ولادة هذا الكتاب في مراحله الأساسية . فكل مرة كنا نلتقي مع الأب باسم في ألمانيا أو في لبنان ، أو كنا نتهاتف ، أو نتبادل الرسائل الإلكترونية ، كان حديثنا يدور حول دراسته ، وتقدمه في البحث ، والأفكار الجديدة التي كان يكتشفها ... وكان كلما أنهى كتابة فصل من الفصول يرسله إلي كي أقرأه وأعطي رأيي به. ولا أدري إذا كان لبعض الأسئلة التي كنت أطرحها عليه تأثير في حثه على التعمق ببعض الأفكار أو توضيحها بشكل أفضل. المهمّ أنه بعدما أتمّ الأب باسم عمله ودافع عن أطروحته ، دفع اليّ الكتاب الذي قرأته بتأن ، فاكتملت لدي الصورة التي كانت ارتسمت في ذهني مجزّأة ، وتكوّنت لدي قناعة بضرورة نقله الى اللغة العربية لوضعه بين أيدي أكبر عدد ممكن من القرّاء والباحثين . وطرحت الفكرة على رفاقي في مجلس إدارة المركز فوافقوا على ذلك ، نظرا لأهمية الموضوع الذي يعالجه وآنيته في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ وطننا

أنا لن أناقش مضمون الكتاب ، فهذه مهمة الأساتذة الكرام الذين لديهم من المعرفة والكفاءة والخبرة ما يفوق بدرجات ما لدي ، إنما يفرحني أن أقدّم باسم المركز الماروني للتوثيق والأبحاث هذا الإصدار الأول ، مساهمة متواضعة في محاولة فهم الميثاق الوطني بكل أبعاده ومعانيه ، وفي الحوار القائم والضروري بين مختلف مكونات هذا المجتمع اللبناني العريق بتاريخه ، والغني بتعدديته ، والمتطلع الى ترسيخ العيش المشترك بين كل أبنائه ، ليبقى نموذجا في تلاقي الأديان والحضارات، ويحقق فعلا ما قاله عنه البابا يوحنا بولس الثاني : إن لبنان أكثر من بلد، إنه رسالة

وقبل أن أترك الكلمة لأسياد الكلمة ، لا بد من توجيه كلمة شكر الى جميع الذين ساهموا من قريب أو من بعيد في إخراج هذا المؤلّف الى حيز الوجود ، والذين سيساهمون في أيصال ما فيه من أفكار وطروحات الى أوسع شريحة ممكنة من القراء

شكرا لصاحبي السيادة : المطران أنطوان حميد موراني، الذي عرف أن يكتشف مواهب الخوري باسم ويشجّعه ويفتح له مجالات التخصص في واحدة من أرقى جامعات ألمانيا، وهو ما زال يرافقه بعقله النيّر وقلبه الكبير؛ والمطران يوسف ضرغام ، الذي وضع كل ما لديه من عمق معرفة في اللغات وطويل خبرة في الترجمة، وحب للعمل الفكري، كي ينقل هذا الكتاب الى اللغة العربية بأسلوبه الشيق والدقيق

شكرا لمعالي الوزير الأستاذ بهيج طباره ، والدكتور أحمد بيضون ، وسعادة السفير جوي تابت الذي رافق ولادة المركز الماروني للتوثيق والأبحاث منذ خطواته الأولي وبقي عضوا فعالا في مجلس إدارته لمدة أربع سنوات، شكرا لهم جميعا على إحياء هذه الندوة التي نتمنى أن تكون فاتحة حوار بالعمق حول الميثاق الوطني ، وحول كل المواضيع والإهتمامات المشتركة التي يمكن أن تسهم في تقريب القلوب بين جميع اللبنانيين، وبناء هذا الوطن الحبيب على أسس متينة

شكرا لجامعة الروح القدس التي تستقبلنا في رحابها، رحاب الروح والفكر والفن والوطنية الصادقة ؛

شكرا لإدارة المركز الماروني للتوثيق والأبحاث، لحضرة المدير العام الخورأسقف كميل زيدان وكل معاونيه، على الجهود التي بذلوها في سبيل تنظيم هذه الندوة، وعلى كل ما يقومون به من عمل متواصل كي يستطيع هذا المركز تأدية رسالته الفكرية والكنسية والوطنية

و كلمة شكر خاصة ، قبل الختام، الى العزيز أبونا باسم ، على الفكر النيّر والعمل الدؤوب والذهن المتوثب دائما لرصد كل فكر وكل تحرك يتعلق بلبنان او بالكنيسة المارونية. عسى أن يكون كتابك الأول هذا باكورة مواسم عطاء فكري لا ينضب، ومجموعة حبات من بيدر مليء بحنطة الحق والخير والجمال، من تلك الحبات التي إن لم تقع وتمت في الأرض تبقى مفردة، وإن ماتت تأتي بثمار كثيرة

وأخيرا شكرا لكم جميعا على مشاركتكم في وليمة الفكر هذه، وبانتظار ولائم أخرى، أهلا وسهلا بكم

كلمة د.جوي تابت في حفل توقيع كتاب ميثاق 1943 للخوري باسم الراعي

جامعة الروح القدس-الكسليك
الجمعة 26 حزيران 2009


أيّها الحفل الكريم،

موضوع الميثاق الوطني لسنة 1943 هو من الأهمية بمكان في تاريخ لبنان المعاصر، ما حمل الكثيرين من المؤرّخين ورجال القانون على الكتابة فيه وعنه، واتخاذ المواقف منه.

لم يمر أمامي مرجع جدّي يرفض مؤلّفه هذا الميثاق أو ينظر إليه نظرة سلبية بهدف إلغائه.

من بين الذين درسوا ميثاق 1943 وكتبوا بشأنه، الأشخاص الذين ذكرهم الأب باسم الراعي في كتابه (إدمون رباط، ميشال شيحا، باسم الجسر، انطوان مسرّه، فريد الخازن، سليمان تقي الدين، الأب يواكيم مبارك، الإمام محمد مهدي شمس الدين، المطران جورج خضر، منح الصلح، المطران أنطون حميد موراني). ووددتُ لو وجدت بين هذه الأسماء: جواد بولس (لإطلاعنا على تأثير جغرافية لبنان على تكوين خصائص وشخصية وطبائع الطوائف اللبنانيّة)، ويوسف السودا (أب الميثاق الوطني اللبناني الأساسي المكتوب العائد لسنة 1938) (أي قبل خمس سنوات من ولادة ميثاق 1943 الغير مكتوب)، والدكتور عصام خليفه (مؤلف كتاب: من الميثاق الوطني اللبناني الى الجلاء 1938-1946).

أبادر بالقول أنني لن أقدّم دراسة تفصيليّة عن كتاب الأب باسم الراعي، لأنّ مثل هذه المهمة تستوجب وقتاً لا أمتلكه، لذا سأكتفي بعرض مختصر عن بعض ما ورد في الفصل الأول من الكتاب الذي فيه زبدة الموضوع، ولأنّ الفصل الثاني – على أهميّته – هو عرض لآراء أشخاص مميزين تؤكد الفرضيّة الواردة في الفصل الأوّل.
كما أسمح لنفسي بأن أعرض بعض ملاحظات شخصيّة.

أوّلاً:
أعتبر أنّ كتاب الأب الراعي هو كتاب مرجعي في موضوعه. ويوم انتهيت من قراءته بنصّه الأصلي بالفرنسيّة اتصلت بالأب الراعي وشكرته على اختياره ميثاق 1943 موضوعاً لأطروحته للدكتوراه في الفلسفة. وبعد قراءة ترجمة الكتاب إلى العربيّة أود أن أوجّه شكري إلى المترجم سيادة المطران يوسف ضرغام على ترجمته الممتازة التي جاءت تلبس بصورة جيّدة النص الفرنسي.


ثانياً:

إنّ الذين عرفتهم – ممن كتبوا مباشرة في الميثاق الوطني لسنة 1943، أو كتبوا عنه – قد عالجوا الموضوع إمّا بمنطق المؤرّخين، أو بمنطق رجال القانون، أو بمنطق علم السياسة. ولم يمر أمامي كتاب – وقد يكون موجوداً ولم أعرف به – يعالج الموضوع بالمنظار الجدلي الفلسفي كما فعل الأب الراعي، وهنا تكمن أهميّة الكتاب وربما فرادته.

عندما نقول أنّ كتاب الأب الراعي يعالج ميثاق 1943 بمنطق فلسفي وجدليّة فلسفيّة، نعني بذلك أنّه درس الميثاق من الوجهة التاريخيّة والقانونيّة، ولكن ليس كنهاية بحد ذاتها، بل كنافذة يقفز منها إلى ما وراء التاريخ والقانون، لينفذ إلى عمق جذور الميثاق الدينيّة والعقائديّة والفكريّة المكدّسة في الوجدان الخاص بكل من الطوائف اللبنانيّة الخمس التي تكلّم عنها الكتاب: الشيعة – الدروز – الأرثوذكس – الموارنة والسنّة، ولينفذ أيضاً إلى طبائع ونفسيّة هذه الطوائف. هذه الجذور والطبائع الخاصّة التي تكوّن خصوصيّة وشخصيّة كل طائفة وتحرّكها عبر خصوصيّتها باتجاه السلوك الوطني اللبناني العام، لتلتقي مع باقي الطوائف اللبنانيّة في ما يسمّيه الأب الراعي "بشموليّة مشتركة" 18) (Un universel commun) (20)) أي بروح ميثاقيّة عامّة، تجمع وتوحّد في ما بينها دون أن تصهرها.


ثالثاً:

وما يمتاز به أيضاً كتاب الأب الراعي تسلسله الفكري والمنطقي وتراتبيّة التحليل فيه والجدليّة الموثّقة التي يسير بها والتي يتوّجها بتعليقه الشخصي على آراء المفكّرين الذين استند إليهم ليثبت الفرضيّة التي انطلق منها.

فإذا أخذنا أولاً المقدّمة العامّة للكتاب وخاتمته المختصرة ودرسناهما، ثم درسنا بعد ذلك مضمون متن الكتاب (الفصلين الذين يتألّف منهما الكتاب)، نجد أنّ متن الكتاب وتحليلاته جاءت جواباً مباشراً على الأسئلة (questions) والإشكاليات المطروحة في المقدّمة، ثم نجد خلاصة متن الكتاب مختصرة في الخاتمة.


في مقدّمة الكتاب، طرح الأب الراعي – بمنطقه الجدلي الفلسفي "الإشكاليّة المركزيّة"
(20)
(
(18) Problématique Centrale) الناتجة عن ميثاق 1943، ألا وهي "إشكاليّة التاريخ الجزئي"(20) أي الخاص بكل طائفة و"التاريخ العام"(20)، أي التاريخ الكلّي والشمولي للبنان، حيث تلتقي كل الطوائف لتؤلّف معاً – كما يقول الأب الراعي - "شموليّة مشتركة"(20)
(18) Universel Commun) "... تساعد على قيام مشروع عيش معاً بين الجزئيّات ... يمكن اعتباره كمشروع سياسي"(20)

رابعاً:

يعتقد الأب الراعي – كما ظهر لي - بأنّ كل "تاريخ جزئي"
(20)
عند الطوائف، يحتوي في ذاته، على "عنصر شمولي"(20) مترسّخ في وجدان كل طائفة يسيرها نحو "التاريخ العام"(20)، لذلك نجد لدى الأب الراعي، منذ المقدّمة، همّ يقلقه هو:

"إظهار الدور الإيجابي للطوائف كوظيفة دمج عشيّة ولادة الميثاق مؤسّس الهويّة اللبنانيّة وكتدعيم داخلي لمشروع الدولة"(20)

ولمعالجة "الإشكاليّة المركزيّة" (20) Problématique Centrale(18) التي طرحها والجواب على الأسئلة التي أثارها وليعالج الهم الذي يقلقه، قسّم الأب الراعي مجمل كتابه إلى فصلين:

الأول
عنوانه: "وجدان وهويّة وتاريخ الطوائف في لبنان إزاء ميثاق 1943"
(21)

الثاني
عنوانه: تقبّل ميثاق 1943
(21)

خامساً:

سأكتفي كما قلت بالتوقّف عند بعض ما جاء في الفصل الأول.

في الفصل الأول عرض الأب الراعي باختصار ولكن ببراعة تاريخ الطوائف اللبنانيّة الخمس التي ذكرنا والثوابت التاريخيّة والوجدانيّة لكل منها. ونفذ من خلال التاريخ الخاص بكل منها إلى خصوصياتها النفسيّة وتكوين وجدانها الذاتي المميّز ((40) Conscience de Soi)
وطبائعها وشخصيّتها التاريخيّة والروحيّة والطوائفيّة-الدينيّة، ثم انتقل من مهمّة العرض إلى طرح الإشكاليّة التاريخيّة والوجدانيّة عند كلّ منها. وكما سنرى أنّ هذه الخصوصيّات التاريخيّة والوجدانيّة تشكّل لدى كل طائفة الثابتة (
Constante
) لوعيها لذاتها ((40) Conscience de Soi) ولوجدانها الخاص الذي يميّزها عن وجدان وخصوصيّات باقي الطوائف.


كما يعرض الأب الراعي كيفيّة تطوّر الوجدان الخاص عند كل طائفة من الخاص بها إلى العام، ليصبّ في الوجدان الوطني اللبناني العام، مع المحافظة على خصوصيّتها.


يكفي أخذ نموذجٍ أو نموذجين من الطوائف


سادساً:

من كل ما تقدّم أكون قد عرضت بعضاً مما جاء في الفصل الأول من كتاب الأب الراعي كما فهمتها. فآمل أن يكون فهمي قد تطابق مع ما قصده الأب الراعي في كتابه النفيس.

بعد أن أعطانا الأب الراعي الصورة التي عرضت، استمر بالتحليل والتدقيق والتوثيق وأعطانا صورة بانورامية ملونة أخرى، مكملة للتي عرضت، وربما أهم منها، ألا وهي صورة عن وقائع كيفية تطور التاريخ الخاص الجزئي لكل من الطوائف اللبنانية الخمس باتجاه "التاريخ العام"(20) الكلي وعن كيفية تطور الوجدان الخاص والجزئي بكل منها باتجاه الوجدان اللبناني العام الكلي، وعن كيفية تطور الضمير الجماعي الخاص بكل منها الى الضمير الجماعي اللبناني العام الكلي. وبمعنى آخر يكون الأب الراعي قد أعطى صورة بانورامية عن تطور الجدليّة عند الطوائف من "جدلية بين الجزئي والكلي" (27) (23) Dialectique du particulier à l'universel" لتصب في "الشموليّة المشتركة".

وهكذا تكون هذه التواريخ والوجدانات الخاصة الجزئية قد انسكبت كلها في تاريخ لبنان العام الكلي، والوجدان الوطني اللبناني العام والكلي،
والوجدان الجماعي اللبناني العام والكلي. وتكون كل هذه الخصوصيات قد تطورت وانصبّت كما يقول الأب الراعي في
"شمولية مشتركة"
(20) لبنانيّة ((18) un universel commun") تجمع كل طوائف لبنان في وحدة لبنانية تضم الجميع ولا تستثني أحد. وحدة جامعة لا وحدة صاهرة اندماجية تزيل الخصوصيات، الأمر الذي يبقي لبنان بمصاف "رسالة" للعالم، بكون شعبه هو نموذج بشري تعددي مميز، ولكون لبنان هو مختبر إنساني فريد لتلاقي وحوار الأديان والمذاهب والخصوصيات والثقافات وأيضاً الحضارات.

والآن ومن وحي كتاب الأب الراعي سأسمح لنفسي بثلاث ملاحظات:

ملاحظة أولى:
كتاب الأب الراعي جاء يؤكد لي ما هو راسخ في قناعتي وأعلنه في محاضراتي الجامعية في القانون الدستوري من أنّ لكل طائفة لبنانية شخصيتها التاريخية وهويّتها الثقافيّة والدينيّة والمذهبيّة وطبائعها ووجدانها الديني الخاص ضمن الدين الذي تنتسب إليه، يجمعها بلبنان وجدان عام موجود لدى كل منها هو جزء من تكوينها. وعبثاً يحاول البعض تحويل لبنان مِمّا هو عليه ويمتاز به. أي وطن جمع متناغم لهذه المجموعات التارخية المتأصّلة فيه إلى وطن دمج لها في وحدة لا طوائفية كاملة أو في طائفة لبنانية علمانية واحدة تزيل الخصوصيات والتعدد. وجل ما يمكن فعله هو توحيد – لا دمج – هذه الطوائف بقاسم مشترك هو وحدة وطنيّة مدنية (
Civile) جامعة تقوم على أساس المواطنية الجامعة من جهة وعلى احترام خصوصيات المجموعات الطوائفية من جهة ثانية.

ملاحظة ثانية:

كتاب الأب الراعي قد زادني يقيناً من أن طبيعة نظام لبنان هي فدرالية شخصية fédération personnelle، أي اتحاد طوائفي Union de communautés، وبمعنى دستوري أكثر دقة هو فدرالية طوائفية Fédération de communautés.
فلبنان الواحد الموحد جغرافياً وبشرياً بدلاً من أن يكون مقسماً إلى دويلات أو مقاطعات جغرافية كما هي الحال من دول الفدرالية الجغرافية (سويسرا) هو دولة واحدة موحدة موزع شعبه في داخله إلى وحدات بشرية طوائفية مميزة لكل منها استقلاليتها في أمور متعددة (ممارسة شعائرها الدينية – أحوالها الشخصية – مدارسها...) ومتحدة مع بعضها بفدرالية طوائفيّة ضمن الدولة الموحّدة والوحدة الوطنية.

كثيرين غيري – وبعضهم قبلي – اعتبروا أن نظام لبنان هو فدرالية طوائفية fédération de communautés أو ما شابه، أذكر منهم ثلاثة على سبيل المثال: الأب جبرائيل مالك، ادمون رباط، كمال جنبلاط.


ملاحظة ثالثة:

من المعلوم إنّ ميثاق 1943 غير المكتوب ليس إلا أحد المواثيق التي حصلت في لبنان في حقبات مختلفة من تاريخه، نذكر منها اثنين:

1- عامية انطلياس لسنة 1840 التي أفرزت ميثاقاً مكتوباً

2- الميثاق الوطني اللبناني الأساسي المكتوب العائد لسنة 1938 (أي خمس
سنوات قبل ميثاق 1943) الذي وقعته مجموعة من 27 شخصاً من الوجوه الوطنية
اللبنانيّة التمثيليّة والثقافية المميزة من كل الطوائف.
وهذا الميثاق الوطني العائد لسنة 1938 أطلق فكرته يوسف السودا وقد سعى لإيجاده وتحقّق بهمّته وعناده وقد عقدت بشأنه الاجتماعات بين 10 آذار 1938 و6 أيار 1938 (خليفه 18 ) في منزل يوسف السودا وتم توقيعه في هذا المنزل بتاريخ 18 آذار 1938.

لقد ألّف الدكتور عصام خليفه كتاباً عن ميثاق 1938 عنوانه "من الميثاق الوطني اللبناني الى الجلاء 1938 – 1946". وإني أعتقد – مع الدكتور خليفه – أنّ مفعول ميثاق سنة 1938 كان كبيراً وقد "استمر تأثيره على المستوى السياسي والشعبي حتى المرحلة اللاحقة " (خليفه
26) وإن ميثاق 1943 الذي حصل نتيجة إجتماعات بين رياض الصلح والشيخ بشاره الخوري - على أهميته وعظمته – "نعتبره تطبيقاً لخط الميثاق الوطني الأول وترجمة سياسيّة له" (خليفة 27).
بمعنى آخر إن ميثاق 1943 يعتبر "الصيغة السياسية" (خليفه
27) لميثاق 1938. هذه الصيغة "التي تم فيها تقاسم النفوذ في السلطة من أجل نيل الاستقلال وهكذا فالميثاق الوطني، هو وليد العام 1938 وهو الذي رسخ أسس الدولة اللبنانية وجسد وحدة الارادة الوطنية، بينما اتفاق عام 1943 هو صيغة سياسية تم فيها التفاهم على كيفية توزع المنصب بين ممثلي الطوائف في هذه الدولة..." (خليفة 27 ).

في الخلاصة، أشكر مرّة أخرى الأب باسم الراعي على وضع هذا الكتاب المرجعي، وأشكر سيادة المطران يوسف ضرغام على ترجمته، وأشكر بصورة خاصّة "المركز الماروني للتوثيق والأبحاث" على اختيار هذا الكتاب ونشره كباكورة لما سينشره المركز لاحقاً، وعلى النشاط العلمي الذي يقوم به المركز برئاسة وإشراف سيادة النائب البطريركي المطران سمير مظلوم وبهمّة المونسنيور كميل زيدان وعناده من أجل إنجاح المركز، وببركة ورعاية غبطة أبينا البطريرك الذي أنشأ المركز، وعلى اهتمامه لدؤوب به. كما أشكر جامعة الروح القدس، هذا الصرح العلمي العظيم، على استضافته هذه الحلقة وأتمنّى لها أن تبقى مصدراً مميّزاً للنهضة العلميّة الحديثة في لبنان.

كلمة الدكتور أحمد بيضون في حفل توقيع كتاب ميثاق 1943 للخوري باسم الراعي

MCDR News Home





جامعة الروح القدس - الكسليك
الجمعة 26 حزيران 2009

ينتمي هذا المؤلّف إلى نوع من الأعمال التاريخية يسعنا أن نطلق عليه اسم أعمال التأصيل. فهو ينطلق من واقعة معاصرة، معلوم تاريخ ولادتها ومستمرّة الراهنيّة، ليستقصي في ماضي الجماعة أو الجماعات المعنيّة بها وقائع وحوادث بعينها انتهت إلى سمات أو طبائع وإلى بنى استقبال أهّلت بدورها هذه الجماعة أو الجماعات لتلقّي الواقعة الراهنة بالقبول وللتعويل عليها أسّاً أو مرجعاً لسياسة أمورها وركناً ثابتاً لهويّتها الجامعة. ولا يستأهل مشقّة التأصيل هذه، في العادة، إلا ما استوى أمراً جللاً في حاضر الجماعة أو الجماعات ومستقبلها واستقرّ تبنّيه على أنه ناظم خطير لحياتها العامّة أو المشتركة وحدّ لخياراتها أو لخيارات أطرافها في الحياة المذكورة.


هل يضلع الخوري باسم الراعي في مسعى التأصيل هذا مرّة أخرى؟ وما جديد كتابه بإزاء مئات أو آلاف من أعمال كرّسها للبنان وتاريخه مؤلّفون لبنانيّون بينهم، على الخصوص، كثير من الموارنة وجرت هذا المجرى؟

يبدو مسعى التأصيل جليّاً في القسم الأول من هذا الكتاب. فههنا تعرض، في عجالات متتابعة، تواريخ خمس طوائف لبنانيّة من ستّ توصف بالكبيرات عرفاً. ويلزم المؤلّف نفسه بالبدء من البدايات، في كلّ حالة، فلا يقصر جهده، من بين حوادث التاريخ، على ما يفترض أنه تمهيد ذو اقتران حسّي بموقف الطائفة من ميثاق 1943. ولعلّ ما يسوّغ له هذا الغوص حتّى الأصول أنه لا يبحث، على وجه التحديد، في ما هو حسّي وإنّما يرغب في استكشاف بنىً رمزيّة أو استعدادات روحيّة تكوّنت في أوقات من الماضي قديمة أو تكرّست عبره في أوقات متباعدة وتحكّم في تشكيلها، على أنحاء مختلفة، هاجس الأصل أو الحدث المعتبر أصلاً. ذاك مسلك مشروع يسلكه المؤلّف ولو انّه يلزم نفسه لسلوكه
باختيار مراحل وطمس أخرى وبالتعميم أحياناً في ما لا يجوز التعميم فيه. فإن غايته هو الوصول إلى صورة لكلّ طائفة يركّبها من سمات قليلة العدد – اثنتين أو ثلاث أو أربع – ويرى فيها خلاصة لزمن الطائفة التاريخي ثمّ يفسّر بها تدبّر الطائفة موقعاً تراه لنفسها من الأخريات أو من بعضهنّ ومن الوطن اللبنانيّ وميثاقه ودولته.

ثمّة مجازفات في هذا كلّه. ففيه فرضيّة ثبات لوحدة الطائفة الجوهرية ولدرجة وجودها بما هي طائفة، وهذه فرضيّة تبدو قائمة على فرض نوع من الاتّحاد ما بين المذهب والطائفة. فوحدة المذهب وبلوغه نوعاً من كمال الوجود الأساسي أقرب متناولاً وأيسر إثباتاً من دوام الوحدة، وإن يكن إجماليّاً، على الطائفة ومن افتراض بلوغها المتمادي لحدّ من اكتمال الوجود لا تزال مقيمة عليه. على أن إنعام النظر في المذهب نفسه يظهر غالباً أن إثبات ثباته ليس على هذا القدر من اليسر الذي يبدو عليه.
فالمذهب كثير العناصر وهو يؤوّل فتختلف الموازين بين عناصره من عهد إلى عهد ومن بقعة في الأرض إلى بقعة. فإذا ما كان بالأمس بارزاً وملحّاً على الأذهان والمشاعر من بين عناصره يدخل في سبات وإذا ما كان شبه معلّق من هذه العناصر يطغى حضوره وما يمليه على الساحات والمسالك. وأفعل ما يؤثّر في المذهب من حوافز التأويل إنّما هو، على وجه التحديد، ما يصيب الطائفة من أحوال الدنيا المتغيّرة، إذ لا تنفرد السماء باختطاط السبل لأهل الأرض وإنّما تغيّر أحوال الأرض أيضاً نقاط التركيز الموزّعة بين النصوص، بما فيها النصوص المقدّسة، وتبدّل معاني ووجهات يفترض أن مصدرها السماء.


ولا أعود ههنا إلى الاختلاف بين الأمس واليوم في درجة وجود الشيعة – مثلاً – بما هم طائفة. فقد سبق لي أن عرضت لهذا في مقالة يذكرها الأب الراعي. ولا أعود أيضاً إلى اختلاف درجة الوحدة التي تكون عليها الطائفة – أيّة طائفة – من عهد إلى عهد وإلى تحكّم ذلك – في تاريخنا المعاصر – بإمكان تجسيد الميثاق الذي هو موضوعنا في صيغة سياسيّة أي في صيغة سلطة وحكم. فهذا أيضاً عرضت له مراراً في غير هذا المقام. وإنّما أردت أن أقول هنا إن ما يظهر، في القسم الأول من كتاب الأب الراعي، من صورة تاريخيّة أثمرها تاريخ كلّ طائفة فساقتها إلى حيث وقفت من الميثاق الوطنيّ لم يكن استواؤه ثمرةً وحيدة محتملة لهذا التاريخ بحكمٍ من التاريخ المذكور. وإنّما اجتمعت لإنشاء الصورة التاريخيّة أيضاً عوامل معاصرة هي نفسها التي اجتمعت لانعقاد الميثاق. فعندي أن للتاريخ عُجَرَه وبُجَرَه وأنه، بحدّ ذاته، لا يحتمل، في راهنه ولا في غابره، أن يردّ إلى صورة واحدة. على أنني مع الأب الراعي في القول إن هذه الصور التي أراها بناتِ العصر الشرعيات لا بنات الماضي ترتدّ إلى "وجدان الاختيار" المعاصر (والعبارة للأب الراعي) لتدمغه بطابع الضرورة الأصيلة، مانحة إيّاه شرعيّة التقليد المتّصل، أصيلاً كان هذا الأخير بالفعل أم مزعوم الأصالة.



يُصلح الأب الراعي، في مقاربته تاريخ الميثاق القريب (وهذا موضوع القسم الثاني من كتابه) كثيراً ممّا أفسده دهر الطوائف البعيد. فجهده ههنا موقوف على عرض توخّى فيه الدقّة لمقالات خمسة من المتأمّلين في المسألة اللبنانيّة موزّعين على أربع من الطوائف الخمس الآنفة الذكر. وهي مقالات مدارها الأهمّ ميثاق 1943 وما يحاصره من مشكلات ومشكل الطائفيّة بخاصّة. وإذا كان لهذا العرض الجليّ من فائدة نظريّة، فهي إظهار التشابه الصريح بين المواقف من أسس الميثاق وهذه علامة عافية ولو ان هؤلاء الوجوه ليسوا كلّ طوائفهم ولا هم جلّها، على الأرجح. والفائدة الأخرى، وهي سلبيّة المنتهى، هي إظهار التردّد الذي يعتور مواقف هؤلاء المتأمّلين من مشكل القران بين الطائفيّة والميثاق. فهذا تردّد يصل إلى ما يشبه العِيّ الذي يشلّ القدرة على إحكام العبارة وعلى الاختيار وعلى الفعل، من ثمّ. ولا ريب أن دعوى التأليف الهيغليّة بين الطريحة والنقيضة تموّه الأزمة وتسمّيها في آن. ويسعف في حجب الأزمة أيضاً دعوى الفصل بين الميثاق والصيغة، بحجّة "الروحانية" في ذاك و"العملانيّة" في هذه. وهذا الفصل يصحّ نظريّاً وقد سبق منّا القول به في كتيّب منشور. ولكن لا يصحّ الإفراط في هذا الفصل بحيث يتراءى أن الميثاق لا يأبه، وهو الخالد خلود "الروح"، بما تكون عليه الصيغة. فإن في هذا الإفراط امتحاناً للشيطان. لذا لم يجز البقاء عند حدّ القول بالطائفيّة وبضدّها معاً والاستنكاف عن تعيين الدوائر أو المستويات التي تبقى فيها الطائفيّة ماثلة في الصيغة والدوائر أو المستويات التي ينبغي أن ترحل عنها الطائفيّة لتستقيم فاعليّة السلطة ووحدة الدولة. فهذان القول والاستنكاف يعرّضان الميثاق نفسه للتعطيل ويؤبّدان إقامة البلاد في وضع يزداد فيه اللبنانيون، على اختلاف الطوائف، غراماً بوطنهم ويزدادون ميلاً، في الآن عينه، إلى التذابح في ما بينهم

عليه وجدت أن ما يعوز هذا الكتاب، في قسمه الثاني، أو في قسم ثالث، إذا اقتضى الأمر، إنّما هو وضع ميثاق 1943 واتّفاق الطائف كلاّ على محكّ الآخر. وأقول اتّفاق الطائف لا بما هو مرحلة انتقال صُلبنا على أبديّتها عشرين سنة حتى الآن من غير أن يبدأ الانتقال. أقول اتّفاق الطائف بما هو "جملة عينيّة" وفق عبارة هيغليّة لم أسغ مقابلها العربيّ المعتمد في هذا الكتاب. أقول اتّفاق الطائف بما هو تأليف منظّم وديناميّ، معروفة فيه أوصاف الدوائر والمستويات، ما بين الطائفية وإلغاء الطائفيّة ومعلومة فيه الوجهة. أقول اتّفاق الطائف بما هو أفق أمل أن يفتح باباً لشيء غير اتّهام لبنان واللبنانيّين بطائفيّة جوهريّة فيما جعلت الصيغة القائمة من باب الطائفيّة مدخلاً إلى المجال العام تقترن الولوج منه كلّ الأرباح والجوائز وجعلت من باب المواطنة مدخلاً تحرسه أشباح مرعبة وتقترن بالولوج منه كل الخسائر والعقوبات. وأما الميثاق فلا أقول إنه "روحانيّ". ذاك باب أخشى أن ننتقل منه، في نهاية مطافنا، من الطائفية إلى سلطان رجال الدين وهو تمام الطائفيّة وكمالها وهو موت الميثاق في آن. أقول إن الميثاق عقد سياسيّ. فقد نشأت عليه دولة الاستقلال وهي موجود سياسيّ، من حيث الأساس، أنها في هذا شأن الدول بعامّة. وأقول إنّ الميثاق عقد تاريخي وإن براهين التاريخ قائمة على ثباته، وهذا يوضح كيفيّاته كتاب الأب الراعي. ولا أقول إنه نهائيّ أو أبديّ فهذه صفة أراها أولى بالقبور منها بالأوطان. وآخر دعواي أن الميثاق عقد معنويّ، إن لزمت إضافة صفة أخرى إلى صفته السياسيّة. هو ليس روحانيّاً: أقولها مرّة أخرى. هو سياسيّ معنويّ. وأرى قولي أقرب إلى حسن التدبير وأراه أيضاً أدنى إلى التواضع وأرى أن واقعنا الجامع في هذه البلاد متواضع أصلاً فيستحبّ، لحسن نموّه، تأصيله في تواضعه أوّلاً.

كلمة معالي الوزير بهيج طبارة في حفل توقيع كتاب ميثاق 1943 للخوري باسم الراعي


جامعة الروح القدس - الكسليك
الجمعة 26 حزيران 2009

في البيان الذي اعلن فيه عزوفه عن الترشح مرة ثانية لرئاسة الجمهورية، ركَّز الرئيس فؤاد شهاب على المؤسسات السياسية التي تجاوزها الزمن والتي لم تعد صالحة لمواجهة التحديات التي يتعرَّض لها الوطن. جاء في البيان:

ان المؤسسات السياسية اللبنانية والاصول التقليدية المتبعة في العمل السياسي لم تعد في اعتقادي تشكل اداة صالحة للنهوض بلبنان وفقاً لما تفرضه السبعينات في جميع الميادين. ذلك بأن مؤسساتنا التي تجاوزتها الانظمة الحديثة في كثير من النواحي سعياً وراء فاعلية الحكم، وقوانيننا الانتخابية التي فرضتها احداث عابرة ومؤقتة .. كل ذلك لا يفسح في المجال للقيام بعملٍ جدي على الصعيد الوطني

كان ذلك في 14 آب 1970، أي بعد الاستقلال والميثاق الوطني للعام 1943، وبعد اول ازمة كبرى تعرَّض لها الوطن – أي ثورة العام 1958، وبعد احداث العام 1969، والازمة الحكومية الاطول في تاريخ الحكومات في لبنان – تلك الازمة التي اقترنت بإتفاق القاهرة لشهير.

الا ان لبنان لم يكن قد عرف بعد الحرب الاهلية الاطول والاقسى والاشد في تاريخه الحديث، التي بدأت عام 1975 ولم تنته الا بإتفاق لطائف عام 1989، كما لم يكن قد عرف بعد الازمة التي شلَّت مرافق الوطن وعطَّلت الدولة لأربع سنوات، واقترنت بما اطلق عليه تسمية "صلح الدوحة"
لو قُيِّض للرئيس شهاب الذي توفي في مطلع العام 1973 ان يكون بيننا اليوم ، هل تُرى كان سوف يصر على ما كتبه منذ تسع وثلاثين سنة، عن المؤسسات البالية وعن قوانيننا الانتخابية التي فرضتها احداث عابرة، ام انه كان سوف يعيد النظر فيه سلباً او ايجاباً؟
لو ان الميثاق الوطني الذي ارتضاه اللبنانيون عام 1943 كان مجرد توزيع للسلطة بين الطوائف في دولة الاستقلال، لو انه كان مُختَصَراً بما اصبح متعارفاً عليه بـ "الصيغة اللبنانية"، لما كان من شكْ بأن الميثاق قد تبدَّل مع الزمن، وان توزيع السلطة بين الطوائف قد أعيد النظر فيه، اكثرَ من مرة، تبعاً للمتغيرات الديمغرافية وللأوضاع السياسية، الداخلية منها والاقليمية، وآخرها في لقاء الدوحة العام الماضي

ذلك ان اتفاق الطائف في العام 1989 ، والذي اصبحت بنوده جزءاً من الدستور، ارسى قواعد جديدة للصيغة اللبنانية اهمها اعتماد المناصفة بين المسيحيين والمسلمين سواء في مجلس النواب ام في الحكومة ام بين موظفي الفئة الاولى، وذلك بمعزل عن العدد، واياً كانت نسبة كل من الطائفتين من مجموع السكان.

اما القاعدة الاخرى التي ارساها اتفاق الطائف، فهي في اناطة السلطة الاجرائية بمجلس الوزراء، وبالتالي تقليص الصلاحيات المعطاة قبلاً لرئيس الجمهورية

كل ذلك في اطار رؤية للمستقبل تهدف الى تجاوز الحالة الطائفية عن طريق الغاء الطائفية السياسية وفقَ خطة مرحلية.

لعلَّ اهم ما في كتاب الاب الدكتور باسم الراعي، الذي نحن بصدده في هذه الندوة، انه يركِّز على اهمية الميثاق الوطني ليس كلعبة بسيطة تقاسم السلطة، قابلة للتخلي عنها تبعاً للظروف والمستجدات، بل كنقطة إرتكاز واقرارٍ بحقيقة لا رجوعَ عنها في تاريخ لبنان واساسِ بناء من ضمن مسارٍ يتجه دوماً نحو نهاية سعيدة، بإعتبار الميثاق تسوية وطنية وسياسية لا عودةَ عنها.

ولا ينسى المؤلِّف بالطبع ان الميثاق انطلق من توافقٍ بين ممثليْ طائفتين على العيش معاً في حياة مشتركة، الا انه جاء، في حقيقة الامر، تعبيراً عن ارادة جامعة للبنانيين على اختلاف انتماءاتهم السياسية او الدينية
من هنا القسم الاول من الكتاب الذي يركِّز فيه الدكتور الراعي على دور الطوائف، طائفةً طائفة، في تجاوز تاريخها الجزئي الى تاريخ عام مؤسس لوحدة شمولية مشتركة. اسمحُ لنفسي ان اتوقف عند ما جاء في الكتاب من شرح عن تأقلم الكنيسة الارثودكسية في محيطها التاريخي والجغرافي، ما جعل الارثودكس يشددون على صحة انتمائهم العربي وعلى كونهم عرباً قبل الاسلام وبعده. اما تأقلم الارثودكس مع الدولة اللبنانية الناشئة، فإن المؤلِّف يرده الى فشل حملة الملك فيصل وتقويض مشروع القومية العربية، ويختصره بكون لبنان دولة تأسست بالإتفاق القائم بين مواطنيه، وبكونه اعترف بوجود الارثودكس وبإختلافهم – ما يجعل لبنان في نظرهم ضرورة في هذه المنطقة، وما يفسِّر، في الوقت ذاته، دور الارثودكس كجسر مصالحة بين اللبنانيين، وجسر تواصل بين اللبنانيين والمنطقة المجاورة بحيث يُشكل انتشارُهم عاملَ غنىً للبنان كلّه


في القسم الثاني من الكتاب، يتطرق المؤلِّف الى رسوخ هذا العنصر الشمولي المشترك في وجدان الطوائف، أي تبنّي ميثاق 1943 وتقبلَّه من قبل الطوائف، وذلك بالتوقف عند موقع الميثاق لدى مفكرين من هذه الطوائف. وقد اختار منهم: الاب يواكيم مبارك والشيخ محمد مهدي شمس الدين والمطران جورج خضر والاستاذ منح الصلح والمطران انطون – حميد موراني.

لقد اختصر الزعيمان بشارة الخوري ورياض الصلح الميثاق الوطني الذي يُنسب الى اتفاقهما عام 1943 بمقولة ان لا للغرب، ولا للوحدة مع دولة عربية. الا ان هذا الاتفاق لم يُكتب وبقي الغموض يكتنف مضمونه
في مقالٍ شهير ، أدخله السجن، كتب جورج نقاش في جريدة الاوريان عام 1949 ان الميثاق يحمل في ثناياه من التناقضات ما يجعل قيام اية حكومة في لبنان امراً مستحيلاً. وان الرفض المزدوج الذي يقوم عليه تحالف المسيحية والاسلام: "لا للغرب ولا للعروبة" ، لا يسمح بمعرفة ما هي حقيقة الارادة المشتركة التي اتفق عليها الفريقان . ويختم جورج نقاش بما اختاره كعنوان لمقاله: ان سلبيتين لا يمكن ابداً ان تصنعا امة

اما ادمون رباط فإنه يرى ان المُحصِّلة النهائية للميثاق الوطني هي لبننة المسلمين وتعريب المسيحيين. وان الميثاق تجسَّد في بيان حكومة الاستقلال الاولى الذي اعلن دخول لبنان عهد استقلالٍ وسيادة وعزَّة وطنية، وان لبنان وطن ذو وجه عربي يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب . ويضيف البيان تلك العبارة الشهيرة بأننا لا نريد لبنان للإستعمار مستقراً، وان اخواننا في الاقطار العربية لا يريدونه
للإستعمار اليهم ممراً ، فنحن وهم اذاً نريده وطناً عزيزاً ، مستقلاً، سيداً حراً

ومن حديث للشيخ بشارة الخوري ان جوهر الميثاق يقوم على بعض المبادىء تحصيناً لإستقلال لبنان، هي:

ان لبنان جمهورية مستقلة، وهو وطن لجميع ابنائه دون تفريق او تمييز حيث يتمتعون بالحريات العامة وحقوق الانسان؛

وانه ذو وجه عربي وجزء من العالم العربي؛

وان وظائف الدولة توزع بعدالة على الطوائف

وبين هذه النظرة وتلك ، تتراوح الآراء والافكار بشأن ميثاق 1943 . فمن قائل انه يُشكِّل انطلاقةً نحو ولادة "وطن حقوق الانسان" ، الى قائل انه نظام غير منصف يُشكِّل مأزقاً لا يمكن اجتيازه، الى اعتباره عقد زواج مع لبنان على اساس العقل ادّى الى ولادة كيان هو موضوع وعدٍ بالديمقراطية ، او الى اعتباره فعلاً تاريخياً مؤسِّساً ليس فقط للإستقلال بل ايضاً لتاريخ جديد لا يتجسَّد الا في الديمقراطية.

تتميَّز رؤية منح الصلح للميثاق بأنها تعطيه ابعاداً وتحملُّه معانٍ تجعل منه حدثاً تاريخياً ليس في حياة لبنان فقط، بل في حياة المنطقة ايضاً. فهو الروح والعقل السياسي المنتصر على الانتداب والمكرِّس للعيش المشترك ، وقد شكَّل الجواب المناسب للمنطقة العربية بتحقيق دولة مستقلة ديمقراطية تضمُّ عدداً من الطوائف والثقافات قادرة على ان تعيش وفقاً للحداثة. وبذلك يرتقي الميثاق من عقد اجتماعي سياسي يحصل في وقت معيَّن الى حالة ميثاقية تتضمن المعاني الثلاثة للميثاق كفعلٍ تاريخي، وفكرةٍ مؤسِّسة لهوية وطنية مشتركة، وفكرةٍ منظِّمة تحفظ التزام جميع اللبنانيين بهدف الوصول الى دولة راسخة

أياً تكن النظرة الى الميثاق الوطني للعام 1943، فإنه يبقى – كما وصفه الاب باسم الراعي – نتيجة تفاعلٍ طويل بين المسلمين والمسيحيين ويبقى تعبيراً عن إرادة العيش معاً في اطار كيان سياسي يديره توازن السلطة . وبذلك يُصبح الميثاق قرار كيانٍ وانتماء ، قبل ان يكون تقاسماً للسلطة. وهذا ما يُفسِّر ان الدعوات اللاحقة لتخطي "الصيغة اللبنانية" لم تكن تعني ابداً التنازل عن الميثاق المشترك، بحيث انه – حتى في زمن الازمات، لم تتخلَّ الطوائف عن توافقها في الدولة الواحدة

أرجو ان يُسمح لي ، في ختام هذه المداخلة ، ان أُهنِّىءَ الدكتور باسم الراعي على الجهد الكبير الذي بذله في الدراسة التي نحن بصددِها، وان اضيف – بعد الخطاب العنيف الذي سمعناه خلال المعركة الانتخابية، وقبلَها، وما اثاره هذا الخطاب من نعرات طائفية ومذهبية، اننا اليوم اشد ما نكون بحاجة الى ازالة رواسب التشنُّجات من نفوس اللبنانيين بمعالجة اسبابها في العمق، حفاظاً على روح الميثاق الوطني، وعلى النموذج الفريد الذي يمثله لبنان، ليس فقط في هذه المنطقة، بل على امتداد العالم، كي يبقى وطناً للتلاقي والتسامح والعيش المشترك

كلمة الخوري باسم الراعي في حفل توقيع كتابه ميثاق 1943

MCDR News Home




جامعة الروح القدس-الكسليك
الجمعة 26 حزيران 2009


أصحاب السيادة، والمعالي والسعادة،

حضرة رئيس جامعة الروح القدس
حضرة الآباء الأفاضل

أيها الحفل الكريم

لا أخفي عليكم مسيرتي التي قادتني إلى هذا البحث، والتي بدأتها بتلقف دراسة الميثاق على أساس الجدلية الهيغيلية التي اتبعها المطران أنطون-حميد موراني في تحليله ميثاق 1943. وميزة تحليل الميثاق لديه وصعوبته لم أجدهما لدى كثيرين ممن عالجوا هذا الموضوع. ولا أخفي تعلقي بفلسفة هيغل منذ كنت طالباً في كلية اللاهوت الحبرية في جامعة الروح القدس الكسليك ومن ثم في الجامعة اللبنانية كليّة الآداب- فرع الفلسفة. والمعروف أن قراءة هيغل ليست نزهة سهلة أو عابرة، بل مسيرة معقدة تقودك إلى بلوغ مستوى الروح الكلّي وأنت بعد في الجزئي.

وهناك أمر آخر أبوح لكم به في هذه الأمسية هو الذي فتح لي الطريق التاريخي لهذا الخيار في وضع دراسة عن ميثاق 1943، هو مذكرات الرئيس بشارة الخوري، عندما يذكر في الجزء الأول منها رواية وجهت ذهنه وعقله إلى فكرة الميثاق وهو في مطلع شبابه. وهنا نص الرواية: "تخالف شابان في قرية لبنانية وكلاهما قوي البنية مفتول الساعد عزيز النفس، فتقدم الواحد من الآخر والعينان تقدحان شرراً، واستعانا بسلاح اللسان وتراشقا بقوارص الكلام، وأمطر كل منهما دين الآخر بالرجم واللهيب. وتألب أهل القرية على الساحة وتأهب كل فريق لنصرة صاحبه ظالماً أو مظلوماً، وعلا الضجيج وازداد الصخب. وانتقل الخصام من اللسان إلى السواعد، ولم يبق خارج المعركة إلا شيخ طاعن بالسن عزّ عليه أن يقتتل أبناء بلدتهم ولا يدخل بينهم مصلحاً. فانبرى لهذا الجمع الصاخب وصاح بأعلى صوته ولم تنل منه الشيخوخة وقال:"يا عيب الشوم، ماذا يقول عنا القناصل، ماذا تقول عنا الدول؟" فابتعد كل فريق عن الآخر وسكتت الضجة، ودنا الشيخ المصلح من الشابين القويي البنية المفتولي الساعد العزيزي النفس ودفعهما الواحد نحو الآخر، وما انفك عن النصح لهما حتى قبّل احدهما الآخر وتصافيا، وتصافى أهل القرية وعاشوا بالوفاق والوئام بعد الاقتتال والخصام (...)[ويكمل] التفت [أحدهم] إلى المحدّث وقال له مازحاً: ولماذا ادخل المصلح الدول في "خناقة" القرية، فأجابه بظرف:
لعله أشار إلى حماية الدول لنظام لبنان! فقال والدي: وهل من داع إلى الحماية بعد، وقد تصافى الفريقان؟ قد تكون الكلمة الحكيمة التي سمعتها وأنا في مطلع الشباب الشرارة التي أنارت عقلي، أو الحبة التي سقطت في الأرض الخصبة، فأنبتت الميثاق الوطني، بعد سنين".


إن رواية الرئيس بشارة الخوري وللوهلة الأولى توحي بأن لبنان في نظره نشأ من فك اشتباك بين متخاصمين أو من تسوية بين متخاصمين أو من خوف من تدخل خارجي. هذه الثلاثة لم تستثرني في الرواية ولم يكن الرئيس يعنيها آنذاك، بل ما استثارني هو الشيخ الذي وقف في الوسط مذكّراً بأن بين المتخاصمين الكلمة الفصل ليست للخصام بل للعلاقة، وهذا ما عبّر عنه بقوله: " يا عيبشوم عليكم". وهذه العلاقة التي يمثلها هذا الشيخ ليست ابنة ساعتها بل هي ابنة الصيرورة التاريخية التي تؤكد قدرة المصالحة كما يجسدها الشيخ. وهذا يعني أن العلاقة على رغم السلبية هي الكفيلة في إيجاد السبل الفضلى لحل كل ما ينشب بين الاثنين. فالشيخ يمثل إذاً عمق العلاقة بين الطرفين، لا بل هو في الحقيقة تاريخ علاقة. والعلاقة لا مجال فيها للهيمنة من أحد على الآخر، لأنها لا تقوم على متقابلين بل على ناظرين في اتجاه مشترك. هكذا فهم بشارة الخوري الميثاق بأنه علاقة بين تواريخ يُبقي الواحد على الآخر ويعزّزه في مشروع مشترك اسمه لبنان.

هذه الأشياء كانت تترسب في وجداني يوم تركت لبنان إلى ألمانيا لأعدّ أطروحة الدكتوراه التي وجهني إليها ودبر تفاصيلها بالكامل المطران موراني، مع العلم بأن موضوع الأطروحة لم يكن ميثاق 1943 بل "النظرية والتطبيق في المسيحية والإسلام".

وكي لا أطيل، وبعد عراك مع اللغة الألمانية، وما أدراكم ما هي اللغة الألمانية، وذات ليلة وأنا أقرأ في كتاب الألماني تيودور هانف عن لبنان وعنوانه: " تعايش في زمن الحرب، سقوط دولة وقيام أمة في لبنان"، تساءلت وماذا يبقى من بلد بعد سقوط الدولة فيه؟ وما الذي منع هذا البلد من السقوط لتقوم الأمة في نظر هانف؟ وأتاني الجواب من الكتاب ذاته بأن الميثاق الوطني هو الذي منع الانهيار الكبير. ورحت أبحث عن طبيعة هذا الميثاق لدى أبرز من كتبوا عنه، فلم أجد جواباً وافياً، لأن أغلب الذين كتبوا في الميثاق تناولوه من ناحية دستورية أو من ناحية التاريخ القانوني والأمم لا تقوم في الأساس على هذه ولا على تلك بالتحديد.

لكن كتاب هانف أعادني إلى الجدلية كما تبرز في الميثاق والتي كنت قد تعلمتها في كتابات المطران موراني وما تركته فيّ رواية بشارة الخوري من عمق بليغ. فقرّرت أن آخذ الطريق المؤدي من الجزئي إلى الروح، فوجدت في الميثاق أنه الروح، أي الكلّي الذي تقوم عليه التجربة التاريخية اللبنانية. وهنا أيضاً لم أستطع التفلت من حبال هيغل، فأخذت الطريق الهيغيلي في شرح الميثاق.

يضع هيغل في كتابه "الخطوط الأساسية لفلسفة الحق" نظريته في الميثاق، مبتدئاً بالعلاقة بين الإرادات الحرّة، معتبراً أن العلاقة من إرادة إلى أخرى هي الأرضية التي عليها تأخذ الحرية مكانها في الوجود (Dasein). وهذه العلاقة بين الإرادات مضمونها ليس شيئاً مادياً بل إرادة أخرى هي الإرادة العامة، التي تعطي الميثاق مجاله الحقيقي (71§)، وهو قرار المتعاقدين بأن يحافظوا على خيرهم في إطار جامع. والخير هنا هو الحياة والحرية والملكية وهذه لا بد من ميثاق ليكفلها.

فمن هذه الوحدة التي تنشأ من الإرادات، والتي أسماها هيغل الإرادة العامة، تولد هوية مشتركة تؤكد على إطار جامع لا يلغي الإرادات التي تبقى لذاتها كما هي (71§). وعند هذا الحدّ تحمي الهوية المشتركة أطراف الميثاق من أن يتعاطوا في ما بينهم، خصوصاً بملكيتهم، بطريقة اعتباطية.

وهذه اللحظة المؤسسة للميثاق مقرونة عند هيغل بالميثاق الشفهي الموجب obligatio verbis contracta
أو اﻠ stipulation، وهو الشكل الذي من خلاله يأخذ مضمون الميثاق المجمع عليه وجوده الفعلي (Dasein).

والإقرار بالميثاق يعني في نظر هيغل أننا بلغنا مرحلة الاعتراف (
Anerkennung)، التي تعني تكريس حق الآخر على ذاته وعلى ملكيته وعلى الفعل الحرّ لا في نصوص بل في الوجدان الذاتي. ومجال الاعتراف وظهوره يكونان في أعراف المجتمع وتقاليده، وفي القوانين الوضعية التي تنشأ على أساسها والتي تكرّس العلاقة الميثاقية بين الوجدانات.

إذاً الميثاق ينشأ في الدرجة الأولى من التفاعل بين الذاتيات الذي يؤدي بقرار إرادي حرٍّ إلى نشؤ إرادة مشتركة جامعة تكفل مجموع الإرادات. والتفاعل المعبّر عنه بإرادة مشتركة هو الأساس الطبيعي للاعتراف المتبادل الذي يؤدي حكماً إلى ولادة مؤسسات تكون بمثابة الحيز الحقيقي لإظهار الإرادة المشتركة. هذا ما يعبّر عنه عادة الدستور في الدولة، الذي هو الترجمة الحقيقية للإرادة المشتركة والاعتراف المتبادل.

هذا ما حاولت أن أظهره في كتابي من أن الميثاق الوطني قبل أن يكون تسوية أو صيغة للحكم بين اللبنانيين، هو في بالدرجة الأولى وليد إرادات قرّرت أن تعترف الواحدة بالأخرى. وهو ليس رهن ثنائيات ولا مشروع فرضه الخارج على اللبنانيين، من دون أن ننفي الدور الذي لعبه القريب والبعيد في هذا المجال. وليس لنا أن ننسى أنها وحدها الإرادة تصنع التاريخ، وهذا ما فعله اللبنانيون في فعلين تاريخيين كبيرين الأول انتزاع لبنان الكبير والثاني فرض قرارهم الكبير سنة 1943. وهكذا إذا جمعنا الاثنين معاً يكون لنا كل ما يلزم ليوجد لبنان، إن لم يكن موجوداً: الإرادة المشتركة والأرضية المشتركة.

في الختام، إن الطريق الذي قادني إلى تحقيق مشروعي كان بمساندة كبرى من الذين رافقوني في الطريق، وهؤلاء جميعاً لهم مني كل الشكر:
إن لجهة تحمل الغياب والفراق، وأخص زوجتي وأولادي وصغيرتي كاترين التي ولدت في غيابي، والأهل الذين حضنوا هذا الغياب،
وإن لجهة الاهتمام المضني بموضوع الدراسة وضرورات الاستمرار وهنا أعني بشكرٍ بنوي خالص صاحب السيادة المطران أنطون-حميد موراني والأب عادل تيودور خوري، الذي صدر الكتاب بنصه الفرنسي في دار النشر الخاص به، وإن لجهة التشجيع الذي لقيته من كثيرين وفي مقدمهم المطران بشارة الراعي السامي الاحترام
وكيف لي ألا أخص بالشكر العميق صاحب السيادة المطران سمير مظلوم الذي كان حضوره في زياراته إلى ألمانيا حضور الأب والصديق والملهم، في ما تبادلناه من أحاديث وما صبر علي به من آراء وإليه يعود الفضل الكبير في قرار نقل الكتاب إلى العربية وتحقيق ذلك،

كما
أشكر صاحب السيادة المطران يوسف ضرغام على الجهد الذي بذله في ترجمة الكتاب عن الفرنسية،
ولا أنسى في الختام جامعة الروح القدس-الكسليك التي تستضيف هذا الحفل ومسكها شكر المركز الماروني للتوثيق والأبحاث بشخص رئيسه المطران سمير مظلوم ومديره الخورأسقف كميل زيدان ومجلس الإدارة الذين قرروا نشر الكتاب باكورة المنشورات العلمية في المركز، وكل اللجان العاملة فيه وكل العاملين والعاملات الذين كان لهم قسط وافر في تحضير هذا الحفل

والشكر كل الشكر للمداخلين: الإستاذ جوي تابت والأستاذ أحمد بيضون ومعالي الوزير بهيج طبارة ممثلاً بالأستاذ يوسف دياب ، وإن أحزننا غيابه بداعي السفر، ولكم جميعاً أيها الكرام ولكل الذين غفلت الذاكرة سهواً عن شكرهم.

عشتم وعاش لبنان