جامعة الروح القدس-الكسليك
الجمعة 26 حزيران 2009
أصحاب السيادة، والمعالي والسعادة،
حضرة الآباء الأفاضل
أيها الحفل الكريم
لا أخفي عليكم مسيرتي التي قادتني إلى هذا البحث، والتي بدأتها بتلقف دراسة الميثاق على أساس الجدلية الهيغيلية التي اتبعها المطران أنطون-حميد موراني في تحليله ميثاق 1943. وميزة تحليل الميثاق لديه وصعوبته لم أجدهما لدى كثيرين ممن عالجوا هذا الموضوع. ولا أخفي تعلقي بفلسفة هيغل منذ كنت طالباً في كلية اللاهوت الحبرية في جامعة الروح القدس الكسليك ومن ثم في الجامعة اللبنانية كليّة الآداب- فرع الفلسفة. والمعروف أن قراءة هيغل ليست نزهة سهلة أو عابرة، بل مسيرة معقدة تقودك إلى بلوغ مستوى الروح الكلّي وأنت بعد في الجزئي.
وهناك أمر آخر أبوح لكم به في هذه الأمسية هو الذي فتح لي الطريق التاريخي لهذا الخيار في وضع دراسة عن ميثاق 1943، هو مذكرات الرئيس بشارة الخوري، عندما يذكر في الجزء الأول منها رواية وجهت ذهنه وعقله إلى فكرة الميثاق وهو في مطلع شبابه. وهنا نص الرواية: "تخالف شابان في قرية لبنانية وكلاهما قوي البنية مفتول الساعد عزيز النفس، فتقدم الواحد من الآخر والعينان تقدحان شرراً، واستعانا بسلاح اللسان وتراشقا بقوارص الكلام، وأمطر كل منهما دين الآخر بالرجم واللهيب. وتألب أهل القرية على الساحة وتأهب كل فريق لنصرة صاحبه ظالماً أو مظلوماً، وعلا الضجيج وازداد الصخب. وانتقل الخصام من اللسان إلى السواعد، ولم يبق خارج المعركة إلا شيخ طاعن بالسن عزّ عليه أن يقتتل أبناء بلدتهم ولا يدخل بينهم مصلحاً. فانبرى لهذا الجمع الصاخب وصاح بأعلى صوته ولم تنل منه الشيخوخة وقال:"يا عيب الشوم، ماذا يقول عنا القناصل، ماذا تقول عنا الدول؟" فابتعد كل فريق عن الآخر وسكتت الضجة، ودنا الشيخ المصلح من الشابين القويي البنية المفتولي الساعد العزيزي النفس ودفعهما الواحد نحو الآخر، وما انفك عن النصح لهما حتى قبّل احدهما الآخر وتصافيا، وتصافى أهل القرية وعاشوا بالوفاق والوئام بعد الاقتتال والخصام (...)[ويكمل] التفت [أحدهم] إلى المحدّث وقال له مازحاً: ولماذا ادخل المصلح الدول في "خناقة" القرية، فأجابه بظرف:
لعله أشار إلى حماية الدول لنظام لبنان! فقال والدي: وهل من داع إلى الحماية بعد، وقد تصافى الفريقان؟ قد تكون الكلمة الحكيمة التي سمعتها وأنا في مطلع الشباب الشرارة التي أنارت عقلي، أو الحبة التي سقطت في الأرض الخصبة، فأنبتت الميثاق الوطني، بعد سنين".
إن رواية الرئيس بشارة الخوري وللوهلة الأولى توحي بأن لبنان في نظره نشأ من فك اشتباك بين متخاصمين أو من تسوية بين متخاصمين أو من خوف من تدخل خارجي. هذه الثلاثة لم تستثرني في الرواية ولم يكن الرئيس يعنيها آنذاك، بل ما استثارني هو الشيخ الذي وقف في الوسط مذكّراً بأن بين المتخاصمين الكلمة الفصل ليست للخصام بل للعلاقة، وهذا ما عبّر عنه بقوله: " يا عيبشوم عليكم". وهذه العلاقة التي يمثلها هذا الشيخ ليست ابنة ساعتها بل هي ابنة الصيرورة التاريخية التي تؤكد قدرة المصالحة كما يجسدها الشيخ. وهذا يعني أن العلاقة على رغم السلبية هي الكفيلة في إيجاد السبل الفضلى لحل كل ما ينشب بين الاثنين. فالشيخ يمثل إذاً عمق العلاقة بين الطرفين، لا بل هو في الحقيقة تاريخ علاقة. والعلاقة لا مجال فيها للهيمنة من أحد على الآخر، لأنها لا تقوم على متقابلين بل على ناظرين في اتجاه مشترك. هكذا فهم بشارة الخوري الميثاق بأنه علاقة بين تواريخ يُبقي الواحد على الآخر ويعزّزه في مشروع مشترك اسمه لبنان.
هذه الأشياء كانت تترسب في وجداني يوم تركت لبنان إلى ألمانيا لأعدّ أطروحة الدكتوراه التي وجهني إليها ودبر تفاصيلها بالكامل المطران موراني، مع العلم بأن موضوع الأطروحة لم يكن ميثاق 1943 بل "النظرية والتطبيق في المسيحية والإسلام".
وكي لا أطيل، وبعد عراك مع اللغة الألمانية، وما أدراكم ما هي اللغة الألمانية، وذات ليلة وأنا أقرأ في كتاب الألماني تيودور هانف عن لبنان وعنوانه: " تعايش في زمن الحرب، سقوط دولة وقيام أمة في لبنان"، تساءلت وماذا يبقى من بلد بعد سقوط الدولة فيه؟ وما الذي منع هذا البلد من السقوط لتقوم الأمة في نظر هانف؟ وأتاني الجواب من الكتاب ذاته بأن الميثاق الوطني هو الذي منع الانهيار الكبير. ورحت أبحث عن طبيعة هذا الميثاق لدى أبرز من كتبوا عنه، فلم أجد جواباً وافياً، لأن أغلب الذين كتبوا في الميثاق تناولوه من ناحية دستورية أو من ناحية التاريخ القانوني والأمم لا تقوم في الأساس على هذه ولا على تلك بالتحديد.
لكن كتاب هانف أعادني إلى الجدلية كما تبرز في الميثاق والتي كنت قد تعلمتها في كتابات المطران موراني وما تركته فيّ رواية بشارة الخوري من عمق بليغ. فقرّرت أن آخذ الطريق المؤدي من الجزئي إلى الروح، فوجدت في الميثاق أنه الروح، أي الكلّي الذي تقوم عليه التجربة التاريخية اللبنانية. وهنا أيضاً لم أستطع التفلت من حبال هيغل، فأخذت الطريق الهيغيلي في شرح الميثاق.
يضع هيغل في كتابه "الخطوط الأساسية لفلسفة الحق" نظريته في الميثاق، مبتدئاً بالعلاقة بين الإرادات الحرّة، معتبراً أن العلاقة من إرادة إلى أخرى هي الأرضية التي عليها تأخذ الحرية مكانها في الوجود (Dasein). وهذه العلاقة بين الإرادات مضمونها ليس شيئاً مادياً بل إرادة أخرى هي الإرادة العامة، التي تعطي الميثاق مجاله الحقيقي (71§)، وهو قرار المتعاقدين بأن يحافظوا على خيرهم في إطار جامع. والخير هنا هو الحياة والحرية والملكية وهذه لا بد من ميثاق ليكفلها.
فمن هذه الوحدة التي تنشأ من الإرادات، والتي أسماها هيغل الإرادة العامة، تولد هوية مشتركة تؤكد على إطار جامع لا يلغي الإرادات التي تبقى لذاتها كما هي (71§). وعند هذا الحدّ تحمي الهوية المشتركة أطراف الميثاق من أن يتعاطوا في ما بينهم، خصوصاً بملكيتهم، بطريقة اعتباطية.
وهذه اللحظة المؤسسة للميثاق مقرونة عند هيغل بالميثاق الشفهي الموجب obligatio verbis contracta أو اﻠ stipulation، وهو الشكل الذي من خلاله يأخذ مضمون الميثاق المجمع عليه وجوده الفعلي (Dasein).
والإقرار بالميثاق يعني في نظر هيغل أننا بلغنا مرحلة الاعتراف (Anerkennung)، التي تعني تكريس حق الآخر على ذاته وعلى ملكيته وعلى الفعل الحرّ لا في نصوص بل في الوجدان الذاتي. ومجال الاعتراف وظهوره يكونان في أعراف المجتمع وتقاليده، وفي القوانين الوضعية التي تنشأ على أساسها والتي تكرّس العلاقة الميثاقية بين الوجدانات.
إذاً الميثاق ينشأ في الدرجة الأولى من التفاعل بين الذاتيات الذي يؤدي بقرار إرادي حرٍّ إلى نشؤ إرادة مشتركة جامعة تكفل مجموع الإرادات. والتفاعل المعبّر عنه بإرادة مشتركة هو الأساس الطبيعي للاعتراف المتبادل الذي يؤدي حكماً إلى ولادة مؤسسات تكون بمثابة الحيز الحقيقي لإظهار الإرادة المشتركة. هذا ما يعبّر عنه عادة الدستور في الدولة، الذي هو الترجمة الحقيقية للإرادة المشتركة والاعتراف المتبادل.
هذا ما حاولت أن أظهره في كتابي من أن الميثاق الوطني قبل أن يكون تسوية أو صيغة للحكم بين اللبنانيين، هو في بالدرجة الأولى وليد إرادات قرّرت أن تعترف الواحدة بالأخرى. وهو ليس رهن ثنائيات ولا مشروع فرضه الخارج على اللبنانيين، من دون أن ننفي الدور الذي لعبه القريب والبعيد في هذا المجال. وليس لنا أن ننسى أنها وحدها الإرادة تصنع التاريخ، وهذا ما فعله اللبنانيون في فعلين تاريخيين كبيرين الأول انتزاع لبنان الكبير والثاني فرض قرارهم الكبير سنة 1943. وهكذا إذا جمعنا الاثنين معاً يكون لنا كل ما يلزم ليوجد لبنان، إن لم يكن موجوداً: الإرادة المشتركة والأرضية المشتركة.
في الختام، إن الطريق الذي قادني إلى تحقيق مشروعي كان بمساندة كبرى من الذين رافقوني في الطريق، وهؤلاء جميعاً لهم مني كل الشكر:
إن لجهة تحمل الغياب والفراق، وأخص زوجتي وأولادي وصغيرتي كاترين التي ولدت في غيابي، والأهل الذين حضنوا هذا الغياب،
وإن لجهة الاهتمام المضني بموضوع الدراسة وضرورات الاستمرار وهنا أعني بشكرٍ بنوي خالص صاحب السيادة المطران أنطون-حميد موراني والأب عادل تيودور خوري، الذي صدر الكتاب بنصه الفرنسي في دار النشر الخاص به، وإن لجهة التشجيع الذي لقيته من كثيرين وفي مقدمهم المطران بشارة الراعي السامي الاحترام
وكيف لي ألا أخص بالشكر العميق صاحب السيادة المطران سمير مظلوم الذي كان حضوره في زياراته إلى ألمانيا حضور الأب والصديق والملهم، في ما تبادلناه من أحاديث وما صبر علي به من آراء وإليه يعود الفضل الكبير في قرار نقل الكتاب إلى العربية وتحقيق ذلك،
كما
أشكر صاحب السيادة المطران يوسف ضرغام على الجهد الذي بذله في ترجمة الكتاب عن الفرنسية، ولا أنسى في الختام جامعة الروح القدس-الكسليك التي تستضيف هذا الحفل ومسكها شكر المركز الماروني للتوثيق والأبحاث بشخص رئيسه المطران سمير مظلوم ومديره الخورأسقف كميل زيدان ومجلس الإدارة الذين قرروا نشر الكتاب باكورة المنشورات العلمية في المركز، وكل اللجان العاملة فيه وكل العاملين والعاملات الذين كان لهم قسط وافر في تحضير هذا الحفل
والشكر كل الشكر للمداخلين: الإستاذ جوي تابت والأستاذ أحمد بيضون ومعالي الوزير بهيج طبارة ممثلاً بالأستاذ يوسف دياب ، وإن أحزننا غيابه بداعي السفر، ولكم جميعاً أيها الكرام ولكل الذين غفلت الذاكرة سهواً عن شكرهم.
عشتم وعاش لبنان
No comments:
Post a Comment