جامعة الروح القدس - الكسليك
الجمعة 26 حزيران 2009
في البيان الذي اعلن فيه عزوفه عن الترشح مرة ثانية لرئاسة الجمهورية، ركَّز الرئيس فؤاد شهاب على المؤسسات السياسية التي تجاوزها الزمن والتي لم تعد صالحة لمواجهة التحديات التي يتعرَّض لها الوطن. جاء في البيان:
كان ذلك في 14 آب 1970، أي بعد الاستقلال والميثاق الوطني للعام 1943، وبعد اول ازمة كبرى تعرَّض لها الوطن – أي ثورة العام 1958، وبعد احداث العام 1969، والازمة الحكومية الاطول في تاريخ الحكومات في لبنان – تلك الازمة التي اقترنت بإتفاق القاهرة لشهير.
ذلك ان اتفاق الطائف في العام 1989 ، والذي اصبحت بنوده جزءاً من الدستور، ارسى قواعد جديدة للصيغة اللبنانية اهمها اعتماد المناصفة بين المسيحيين والمسلمين سواء في مجلس النواب ام في الحكومة ام بين موظفي الفئة الاولى، وذلك بمعزل عن العدد، واياً كانت نسبة كل من الطائفتين من مجموع السكان.
كل ذلك في اطار رؤية للمستقبل تهدف الى تجاوز الحالة الطائفية عن طريق الغاء الطائفية السياسية وفقَ خطة مرحلية.
لعلَّ اهم ما في كتاب الاب الدكتور باسم الراعي، الذي نحن بصدده في هذه الندوة، انه يركِّز على اهمية الميثاق الوطني ليس كلعبة بسيطة تقاسم السلطة، قابلة للتخلي عنها تبعاً للظروف والمستجدات، بل كنقطة إرتكاز واقرارٍ بحقيقة لا رجوعَ عنها في تاريخ لبنان واساسِ بناء من ضمن مسارٍ يتجه دوماً نحو نهاية سعيدة، بإعتبار الميثاق تسوية وطنية وسياسية لا عودةَ عنها.
من هنا القسم الاول من الكتاب الذي يركِّز فيه الدكتور الراعي على دور الطوائف، طائفةً طائفة، في تجاوز تاريخها الجزئي الى تاريخ عام مؤسس لوحدة شمولية مشتركة. اسمحُ لنفسي ان اتوقف عند ما جاء في الكتاب من شرح عن تأقلم الكنيسة الارثودكسية في محيطها التاريخي والجغرافي، ما جعل الارثودكس يشددون على صحة انتمائهم العربي وعلى كونهم عرباً قبل الاسلام وبعده. اما تأقلم الارثودكس مع الدولة اللبنانية الناشئة، فإن المؤلِّف يرده الى فشل حملة الملك فيصل وتقويض مشروع القومية العربية، ويختصره بكون لبنان دولة تأسست بالإتفاق القائم بين مواطنيه، وبكونه اعترف بوجود الارثودكس وبإختلافهم – ما يجعل لبنان في نظرهم ضرورة في هذه المنطقة، وما يفسِّر، في الوقت ذاته، دور الارثودكس كجسر مصالحة بين اللبنانيين، وجسر تواصل بين اللبنانيين والمنطقة المجاورة بحيث يُشكل انتشارُهم عاملَ غنىً للبنان كلّه
في القسم الثاني من الكتاب، يتطرق المؤلِّف الى رسوخ هذا العنصر الشمولي المشترك في وجدان الطوائف، أي تبنّي ميثاق 1943 وتقبلَّه من قبل الطوائف، وذلك بالتوقف عند موقع الميثاق لدى مفكرين من هذه الطوائف. وقد اختار منهم: الاب يواكيم مبارك والشيخ محمد مهدي شمس الدين والمطران جورج خضر والاستاذ منح الصلح والمطران انطون – حميد موراني.
في مقالٍ شهير ، أدخله السجن، كتب جورج نقاش في جريدة الاوريان عام 1949 ان الميثاق يحمل في ثناياه من التناقضات ما يجعل قيام اية حكومة في لبنان امراً مستحيلاً. وان الرفض المزدوج الذي يقوم عليه تحالف المسيحية والاسلام: "لا للغرب ولا للعروبة" ، لا يسمح بمعرفة ما هي حقيقة الارادة المشتركة التي اتفق عليها الفريقان . ويختم جورج نقاش بما اختاره كعنوان لمقاله: ان سلبيتين لا يمكن ابداً ان تصنعا امة
اما ادمون رباط فإنه يرى ان المُحصِّلة النهائية للميثاق الوطني هي لبننة المسلمين وتعريب المسيحيين. وان الميثاق تجسَّد في بيان حكومة الاستقلال الاولى الذي اعلن دخول لبنان عهد استقلالٍ وسيادة وعزَّة وطنية، وان لبنان وطن ذو وجه عربي يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب . ويضيف البيان تلك العبارة الشهيرة بأننا لا نريد لبنان للإستعمار مستقراً، وان اخواننا في الاقطار العربية لا يريدونه
للإستعمار اليهم ممراً ، فنحن وهم اذاً نريده وطناً عزيزاً ، مستقلاً، سيداً حراً
ومن حديث للشيخ بشارة الخوري ان جوهر الميثاق يقوم على بعض المبادىء تحصيناً لإستقلال لبنان، هي:
ان لبنان جمهورية مستقلة، وهو وطن لجميع ابنائه دون تفريق او تمييز حيث يتمتعون بالحريات العامة وحقوق الانسان؛
وانه ذو وجه عربي وجزء من العالم العربي؛
وبين هذه النظرة وتلك ، تتراوح الآراء والافكار بشأن ميثاق 1943 . فمن قائل انه يُشكِّل انطلاقةً نحو ولادة "وطن حقوق الانسان" ، الى قائل انه نظام غير منصف يُشكِّل مأزقاً لا يمكن اجتيازه، الى اعتباره عقد زواج مع لبنان على اساس العقل ادّى الى ولادة كيان هو موضوع وعدٍ بالديمقراطية ، او الى اعتباره فعلاً تاريخياً مؤسِّساً ليس فقط للإستقلال بل ايضاً لتاريخ جديد لا يتجسَّد الا في الديمقراطية.
أرجو ان يُسمح لي ، في ختام هذه المداخلة ، ان أُهنِّىءَ الدكتور باسم الراعي على الجهد الكبير الذي بذله في الدراسة التي نحن بصددِها، وان اضيف – بعد الخطاب العنيف الذي سمعناه خلال المعركة الانتخابية، وقبلَها، وما اثاره هذا الخطاب من نعرات طائفية ومذهبية، اننا اليوم اشد ما نكون بحاجة الى ازالة رواسب التشنُّجات من نفوس اللبنانيين بمعالجة اسبابها في العمق، حفاظاً على روح الميثاق الوطني، وعلى النموذج الفريد الذي يمثله لبنان، ليس فقط في هذه المنطقة، بل على امتداد العالم، كي يبقى وطناً للتلاقي والتسامح والعيش المشترك
No comments:
Post a Comment