Friday, July 3, 2009

كلمة الدكتور أحمد بيضون في حفل توقيع كتاب ميثاق 1943 للخوري باسم الراعي

MCDR News Home





جامعة الروح القدس - الكسليك
الجمعة 26 حزيران 2009

ينتمي هذا المؤلّف إلى نوع من الأعمال التاريخية يسعنا أن نطلق عليه اسم أعمال التأصيل. فهو ينطلق من واقعة معاصرة، معلوم تاريخ ولادتها ومستمرّة الراهنيّة، ليستقصي في ماضي الجماعة أو الجماعات المعنيّة بها وقائع وحوادث بعينها انتهت إلى سمات أو طبائع وإلى بنى استقبال أهّلت بدورها هذه الجماعة أو الجماعات لتلقّي الواقعة الراهنة بالقبول وللتعويل عليها أسّاً أو مرجعاً لسياسة أمورها وركناً ثابتاً لهويّتها الجامعة. ولا يستأهل مشقّة التأصيل هذه، في العادة، إلا ما استوى أمراً جللاً في حاضر الجماعة أو الجماعات ومستقبلها واستقرّ تبنّيه على أنه ناظم خطير لحياتها العامّة أو المشتركة وحدّ لخياراتها أو لخيارات أطرافها في الحياة المذكورة.


هل يضلع الخوري باسم الراعي في مسعى التأصيل هذا مرّة أخرى؟ وما جديد كتابه بإزاء مئات أو آلاف من أعمال كرّسها للبنان وتاريخه مؤلّفون لبنانيّون بينهم، على الخصوص، كثير من الموارنة وجرت هذا المجرى؟

يبدو مسعى التأصيل جليّاً في القسم الأول من هذا الكتاب. فههنا تعرض، في عجالات متتابعة، تواريخ خمس طوائف لبنانيّة من ستّ توصف بالكبيرات عرفاً. ويلزم المؤلّف نفسه بالبدء من البدايات، في كلّ حالة، فلا يقصر جهده، من بين حوادث التاريخ، على ما يفترض أنه تمهيد ذو اقتران حسّي بموقف الطائفة من ميثاق 1943. ولعلّ ما يسوّغ له هذا الغوص حتّى الأصول أنه لا يبحث، على وجه التحديد، في ما هو حسّي وإنّما يرغب في استكشاف بنىً رمزيّة أو استعدادات روحيّة تكوّنت في أوقات من الماضي قديمة أو تكرّست عبره في أوقات متباعدة وتحكّم في تشكيلها، على أنحاء مختلفة، هاجس الأصل أو الحدث المعتبر أصلاً. ذاك مسلك مشروع يسلكه المؤلّف ولو انّه يلزم نفسه لسلوكه
باختيار مراحل وطمس أخرى وبالتعميم أحياناً في ما لا يجوز التعميم فيه. فإن غايته هو الوصول إلى صورة لكلّ طائفة يركّبها من سمات قليلة العدد – اثنتين أو ثلاث أو أربع – ويرى فيها خلاصة لزمن الطائفة التاريخي ثمّ يفسّر بها تدبّر الطائفة موقعاً تراه لنفسها من الأخريات أو من بعضهنّ ومن الوطن اللبنانيّ وميثاقه ودولته.

ثمّة مجازفات في هذا كلّه. ففيه فرضيّة ثبات لوحدة الطائفة الجوهرية ولدرجة وجودها بما هي طائفة، وهذه فرضيّة تبدو قائمة على فرض نوع من الاتّحاد ما بين المذهب والطائفة. فوحدة المذهب وبلوغه نوعاً من كمال الوجود الأساسي أقرب متناولاً وأيسر إثباتاً من دوام الوحدة، وإن يكن إجماليّاً، على الطائفة ومن افتراض بلوغها المتمادي لحدّ من اكتمال الوجود لا تزال مقيمة عليه. على أن إنعام النظر في المذهب نفسه يظهر غالباً أن إثبات ثباته ليس على هذا القدر من اليسر الذي يبدو عليه.
فالمذهب كثير العناصر وهو يؤوّل فتختلف الموازين بين عناصره من عهد إلى عهد ومن بقعة في الأرض إلى بقعة. فإذا ما كان بالأمس بارزاً وملحّاً على الأذهان والمشاعر من بين عناصره يدخل في سبات وإذا ما كان شبه معلّق من هذه العناصر يطغى حضوره وما يمليه على الساحات والمسالك. وأفعل ما يؤثّر في المذهب من حوافز التأويل إنّما هو، على وجه التحديد، ما يصيب الطائفة من أحوال الدنيا المتغيّرة، إذ لا تنفرد السماء باختطاط السبل لأهل الأرض وإنّما تغيّر أحوال الأرض أيضاً نقاط التركيز الموزّعة بين النصوص، بما فيها النصوص المقدّسة، وتبدّل معاني ووجهات يفترض أن مصدرها السماء.


ولا أعود ههنا إلى الاختلاف بين الأمس واليوم في درجة وجود الشيعة – مثلاً – بما هم طائفة. فقد سبق لي أن عرضت لهذا في مقالة يذكرها الأب الراعي. ولا أعود أيضاً إلى اختلاف درجة الوحدة التي تكون عليها الطائفة – أيّة طائفة – من عهد إلى عهد وإلى تحكّم ذلك – في تاريخنا المعاصر – بإمكان تجسيد الميثاق الذي هو موضوعنا في صيغة سياسيّة أي في صيغة سلطة وحكم. فهذا أيضاً عرضت له مراراً في غير هذا المقام. وإنّما أردت أن أقول هنا إن ما يظهر، في القسم الأول من كتاب الأب الراعي، من صورة تاريخيّة أثمرها تاريخ كلّ طائفة فساقتها إلى حيث وقفت من الميثاق الوطنيّ لم يكن استواؤه ثمرةً وحيدة محتملة لهذا التاريخ بحكمٍ من التاريخ المذكور. وإنّما اجتمعت لإنشاء الصورة التاريخيّة أيضاً عوامل معاصرة هي نفسها التي اجتمعت لانعقاد الميثاق. فعندي أن للتاريخ عُجَرَه وبُجَرَه وأنه، بحدّ ذاته، لا يحتمل، في راهنه ولا في غابره، أن يردّ إلى صورة واحدة. على أنني مع الأب الراعي في القول إن هذه الصور التي أراها بناتِ العصر الشرعيات لا بنات الماضي ترتدّ إلى "وجدان الاختيار" المعاصر (والعبارة للأب الراعي) لتدمغه بطابع الضرورة الأصيلة، مانحة إيّاه شرعيّة التقليد المتّصل، أصيلاً كان هذا الأخير بالفعل أم مزعوم الأصالة.



يُصلح الأب الراعي، في مقاربته تاريخ الميثاق القريب (وهذا موضوع القسم الثاني من كتابه) كثيراً ممّا أفسده دهر الطوائف البعيد. فجهده ههنا موقوف على عرض توخّى فيه الدقّة لمقالات خمسة من المتأمّلين في المسألة اللبنانيّة موزّعين على أربع من الطوائف الخمس الآنفة الذكر. وهي مقالات مدارها الأهمّ ميثاق 1943 وما يحاصره من مشكلات ومشكل الطائفيّة بخاصّة. وإذا كان لهذا العرض الجليّ من فائدة نظريّة، فهي إظهار التشابه الصريح بين المواقف من أسس الميثاق وهذه علامة عافية ولو ان هؤلاء الوجوه ليسوا كلّ طوائفهم ولا هم جلّها، على الأرجح. والفائدة الأخرى، وهي سلبيّة المنتهى، هي إظهار التردّد الذي يعتور مواقف هؤلاء المتأمّلين من مشكل القران بين الطائفيّة والميثاق. فهذا تردّد يصل إلى ما يشبه العِيّ الذي يشلّ القدرة على إحكام العبارة وعلى الاختيار وعلى الفعل، من ثمّ. ولا ريب أن دعوى التأليف الهيغليّة بين الطريحة والنقيضة تموّه الأزمة وتسمّيها في آن. ويسعف في حجب الأزمة أيضاً دعوى الفصل بين الميثاق والصيغة، بحجّة "الروحانية" في ذاك و"العملانيّة" في هذه. وهذا الفصل يصحّ نظريّاً وقد سبق منّا القول به في كتيّب منشور. ولكن لا يصحّ الإفراط في هذا الفصل بحيث يتراءى أن الميثاق لا يأبه، وهو الخالد خلود "الروح"، بما تكون عليه الصيغة. فإن في هذا الإفراط امتحاناً للشيطان. لذا لم يجز البقاء عند حدّ القول بالطائفيّة وبضدّها معاً والاستنكاف عن تعيين الدوائر أو المستويات التي تبقى فيها الطائفيّة ماثلة في الصيغة والدوائر أو المستويات التي ينبغي أن ترحل عنها الطائفيّة لتستقيم فاعليّة السلطة ووحدة الدولة. فهذان القول والاستنكاف يعرّضان الميثاق نفسه للتعطيل ويؤبّدان إقامة البلاد في وضع يزداد فيه اللبنانيون، على اختلاف الطوائف، غراماً بوطنهم ويزدادون ميلاً، في الآن عينه، إلى التذابح في ما بينهم

عليه وجدت أن ما يعوز هذا الكتاب، في قسمه الثاني، أو في قسم ثالث، إذا اقتضى الأمر، إنّما هو وضع ميثاق 1943 واتّفاق الطائف كلاّ على محكّ الآخر. وأقول اتّفاق الطائف لا بما هو مرحلة انتقال صُلبنا على أبديّتها عشرين سنة حتى الآن من غير أن يبدأ الانتقال. أقول اتّفاق الطائف بما هو "جملة عينيّة" وفق عبارة هيغليّة لم أسغ مقابلها العربيّ المعتمد في هذا الكتاب. أقول اتّفاق الطائف بما هو تأليف منظّم وديناميّ، معروفة فيه أوصاف الدوائر والمستويات، ما بين الطائفية وإلغاء الطائفيّة ومعلومة فيه الوجهة. أقول اتّفاق الطائف بما هو أفق أمل أن يفتح باباً لشيء غير اتّهام لبنان واللبنانيّين بطائفيّة جوهريّة فيما جعلت الصيغة القائمة من باب الطائفيّة مدخلاً إلى المجال العام تقترن الولوج منه كلّ الأرباح والجوائز وجعلت من باب المواطنة مدخلاً تحرسه أشباح مرعبة وتقترن بالولوج منه كل الخسائر والعقوبات. وأما الميثاق فلا أقول إنه "روحانيّ". ذاك باب أخشى أن ننتقل منه، في نهاية مطافنا، من الطائفية إلى سلطان رجال الدين وهو تمام الطائفيّة وكمالها وهو موت الميثاق في آن. أقول إن الميثاق عقد سياسيّ. فقد نشأت عليه دولة الاستقلال وهي موجود سياسيّ، من حيث الأساس، أنها في هذا شأن الدول بعامّة. وأقول إنّ الميثاق عقد تاريخي وإن براهين التاريخ قائمة على ثباته، وهذا يوضح كيفيّاته كتاب الأب الراعي. ولا أقول إنه نهائيّ أو أبديّ فهذه صفة أراها أولى بالقبور منها بالأوطان. وآخر دعواي أن الميثاق عقد معنويّ، إن لزمت إضافة صفة أخرى إلى صفته السياسيّة. هو ليس روحانيّاً: أقولها مرّة أخرى. هو سياسيّ معنويّ. وأرى قولي أقرب إلى حسن التدبير وأراه أيضاً أدنى إلى التواضع وأرى أن واقعنا الجامع في هذه البلاد متواضع أصلاً فيستحبّ، لحسن نموّه، تأصيله في تواضعه أوّلاً.

0 comments:

Post a Comment