Wednesday, March 11, 2009

مداخلة الدكتور محمد السمّاك في مناسبة اطلاق شرعة العمل السياسي


قصر المؤتمرات - ضبيّه
الخميس 5 آذار 2009


ذكّرتني مقدمة الوثيقة (ص4) عن أخلاقية العمل السياسي بمحاضرة في العلوم السياسية ألقاها الدكتور هنري كيسنجر وزير الخارجية الاميركية الأسبق في جامعة واشنطن

في تلك المحاضرة أجرى كيسنجر مقارنة بين السياسي والاداري في عملية اتخاذ القرار. قال ان الاداري يعتمد في اتخاذ قراره على قاعدة ثابتة وواضحة لا تقبل التأويل ولا تحتمل الشك . فعنده 3+4 يساوي 7

أما السياسي فانه يعتمد على الرؤيا وعلى الحدس وبُعد النظر بما يتجاوز التقيّد بحسابات جامدة . فالقرار الاداري قرار محدود وثابت . اما القرار السياسي فهو متحرك ومتقلّب

الاداري يخطئ اذا اعتمد قاعدة السياسي . والسياسي يفشل اذا اعتمد قاعدة الاداري . لا يعني ذلك بالضرورة ان القرار السياسي لا يكون صحيحاً الا اذا اعتمد على الرؤيا والحدس ، ولكنه يعني ان السياسي يكون بالضرورة قصير النظر اذا لم يستشفّ المستقبل غير المنظور واذا لم يعتمد على الحسابات المتمردة على قواعد الجمع والقسمة. فالقرار عنده معرّض إما لنجاح باهر أو لفشل ذريع عليه أن يتحمّل تداعياته التي قد تكون مأساوية اذا كانت رؤياه غير صائبة ، واذا كان حدسه غير سليم

من أجل ذلك فإن السياسي يتمتع بروح المغامرة الاقتحامية ، ويتحمّل بالتالي مسؤولية وتبعات قراراته بالمساءلة والمحاسبة. ولكن اذا كان صاحب القرار السياسي رجل دين فهل يتحمل التبعات الأخلاقية لقرار خاطئ ؟ وكيف ؟

هذه الجدلية تحدث عنها مطولاً الفيلسوف وعالِم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الذي وإن كان بروتستنتياً بامتياز ، الا ان ذلك لا يقلّل من أهمية القواعد التي أرسي عليها بحثه ، الذي أكتفي هنا بمجرد الاشارة اليه لضيق الوقت

ولعل مما يخفف من حدّة هذه الجدلية ما ورَدَ في الفصل الثاني من الوثيقة عن "العلاقة بين الكنيسة والدولة" حيث يتحدث النصّ عن تمايز هذه العلاقة في الصيغة والهيكلية والوسائل. ولكن ماذا عن الأهداف ، وهي الأهم ؟

لقد جاء في هذا الفصل "ان لكلٍ من الكنيسة والدولة استقلاليتها الواحدة عن الاخرى" . ويفسر الاستقلالية " بدعوة الكنيسة والدولة الى التفاهم من دون تخالط والى التقارب من دون صراع " (ص7) ، ولكن النصّ لم يوضح

تفاهم حول ماذا ؟
وعدم تخالط حول ماذا ؟
وتقارب حول ماذا ؟
وعدم صراع حول ماذا ؟

لعل الإجابات على هذه التساؤلات وردت في ما ذكرته الوثيقة (ص8) نقلاً عن المجلس الحبري للعدالة والسلام ، مختصر تعاليم الكنيسة الاجتماعي (بالإيطالية) عدد 427 ، من ان " التعاون بين السلطة السياسية والكنيسة يوجب عند الحاجة ، إبرام اتفاقات بينهما تحمي حقوق الكنيسة وممتلكاتها ومؤسساتها ورسالتها ، ما يضمن العلاقات المتناغمة بينهما ويجنبهما الخلافات

كنتُ أتمنى أن أقصر مداخلتي حول هذا الموضوع الشيق والشائك ، خاصة وان المذكرة تقول (ص4) "أن الله صنع للعالم نظاماً ليعيش الناس والشعوب في سلام ويرعوا شؤون مدينة الأرض وينعموا بالخير والعدلفما هو هذا النظام ؟ وما هي أسسه ومقوماته وفلسفته . وما هو نصه ؟ وأين ساد في مدينة الأرض منذ فجر الانسانية حتى اليوم ؟

ان نتحدث عن قواعد ومبادئ عامة شيء ، وأن نتحدث عن نظام شيء آخر . ففي الاسلام مثلاً يمكن الحديث عن مثل هذه القواعد والمبادئ الكلية ، ولكن الحديث عن نظام هو اجتهاد يحتاج الى دلائل ، لقد عرف العالم الاسلامي عبر تاريخه أنظمة مختلفة. وهو اليوم يعيش في ظل أنظمة مختلفة أيضاً ، الا اذا كان مقصود النص بكلمة "نظام" أمراً آخر . أو اذا كان تعريفه للنظام ينطلق من مفهوم آخر

أما ما ورد في الفصل الثاني المتعلق بإعادة إحياء لبنان والدولة المدنية الديمقراطية . فلا أملك أن أزيد أو أن أنقص حرفاً واحداً على كامل البندين 23 و 24 بكل تفرعاتهما ، ولكنني توقفت متسائلاً أمام الأمرين التاليين

الأمر الأول ما ورد في البند 25 (ص17) من "ان تماهي الشريعة الدينية مع الشريعة المدنية غالباً ما يؤدي الى خنق الحرية الدينية والحدّ من حقوق الانسان السياسية والى التصلّب واللجوء الى العنف وشنّ الحرب بإسم الدين" وهو قول منسوب الى البابا بنديكتس 16 في رسالته الى يوم السلام العالمي 2007

لا خلاف على مبدأ وجوب الفصل الصريح بين الدين والدولة في الدولة المدنية المتعددة الأديان والمذاهب كالدولة اللبنانية . وهناك أسباب موجبة لذلك ذات أبعاد ايجابية مباشرة وغير مباشرة يمكن اعتمادها لتبرير اعتماد هذا المبدأ

غير ان النص ركّز على الأسباب السلبية التي تحذر في مضمونها من عدم اعتماده. وفي اعتقادي ان المقاربة الايجابية قد تكون أعمق وأبعد أثراً ، من دون التقليل من أهمية الاشارة الى الأسباب السلبية

فالاسلام مثلاً الذي يؤمن بالمسيحية رسالة سماوية من عند الله ، ويؤمن بالانجيل كتاباً مقدساً ، ويؤمن بعذرية السيدة مريم وبأن المسيح هو كلمة الله وروح منه ، تمنع شريعته تطبيق احكامها حتى في ظل الدولة الاسلامية المطلقة على غير المسلمين ، فكيف اذا كانت الدولة مدنية غير دينية وتعتمد التوافقية أساساً للنظام العام ؟

ان عدم احترام هذه القواعد الشرعية الدينية ، وليس القواعد ذاتها ، هو الذي يسيء الى حقوق الانسان ويؤدي الى اضطراب العلاقات بين الجماعات . ذلك ان كل ثقافة إلغائية للآخر المختلف ، سواء كانت ثقافة دينية أو مدنية ، تؤدي بإلغائيتها الى ما حذر منه قداسة البابا ، ولكن ليس كل دين وليست كل ثقافة ذات منهج أو ذات طبيعة ، أو ذات هدف إلغائي

ثم ان النص فيما يبدو انه محاولة منه لفلسفة ديمقراطية على قياس لبنان ، يقول بديمقراطية تنافسية ضمن الجماعة المتجانسة طائفياً وبديمقراطية توافقية ضمن المجتمع الأوسع والمتنوع طائفياً . كما انه يقول (المادة 9 ص 20)" بحق الكنيسة بحكم رسالتها الرامية الى تكوين جماعة بشرية وتثبيتها وفقاً للشريعة الإلهية ان تقوم بنشاطات ذات طابع عام تختص بالانسان وكرامته وحقوقه ومصيره الأبدي وبالمجتمع في حاجته الى عدالة اجتماعية ومساواة في الحقوق والواجبات

فاذا كانت المواطنة تقوم على اساس هذه الفلسفة فأي تعريف يمكن اعتماده لها ؟. وأي مقومات يمكن اسنادها اليها ؟

لا شك في ان المشاركة في الحياة السياسية بكل أوجهها هو العمود الفقري للمواطنة حقوقاً وواجبات ، وهذا ما أكدت عليه الوثيقة أيضاً ، وهو ما سبق أن جدّد أسسه وركائزه اتفاق الطائف الذي أستغرب عدم الاشارة اليه في هذه الوثيقة الهامة . غير ان هذه المشاركة ترسم مداخل متعددة الى الحرم السياسي ، وترسم كذلك سقوفاً متعددة للممارسة السياسية

فالفقرة "ج" من المادة 23 (ص23) تتحدث عن المواطنة وعن التنوع في ضوء المساواة في الحقوق والواجبات كأساس للمواطنة
المشاركة الفاعلة والمتوازنة كأساس للتنوع . ولكن اذا كانت المشاركة من مسلتزمات التنوع ، واذا كانت المساواة من مستلزما
المواطنة ، فما هي حدود وضوابط كل منهما ؟ واين تبدأ هذه وتنتهي تلك ؟

أما الامر الثاني الذي توقفت عنده فهو ما ورد في الفقرة 23 (ص 16) التي تنص على "رفض الاحتكام الى أي شكل من أشكال العنف والصدامات المسلحة تحت اي ذريعة أو سبب ، معتمدين على الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وحدهما للمحافظة على أمن المواطنين والاستقرار


لا شك في أن هذا الأمر هو – أو يفترض أن يكون – من المسلمات ومن الثوابت التي لا جدال حولها هنا أعود ثانية الى ماكس فيبر الذي يصف "الدولة بأنها الوكالة (Agency) التي تحتكر بنجاح شرعية استعمال القوة" . ولكن ماذا تعني الشرعية هنا ؟ وماذا يعني فشل الدولة أو تعثرها ، أي عدم نجاحها ، في احتكار استعمال القوة المسلحة ؟ هل تبقى الدولة دولة؟ وماذا نطلق عليها؟. لذلك فان حق الدولة في احتكار استعمال القوة لا يقبل أي شكل من أشكال الاستثناء ، سواء في الظرف أو في المكان

ان المواد من 14 الى 24 حول لبنان الوطن وخصوصيته وقيمته الحضارية تتماهى مع ما نؤمن به تماماً ، وهي تعبّر بعمق ووضوح عن الثوابت التي تصنع الوطن أو التي لا يكون وطن من دونها

اسمحوا لي أن أشير الى ما ورد في الفقرة "أ" من المادة 29 المتعلقة بالشروط الواجب توفرها في المرشح للنيابة في لبنان
تقول هذه الفقرة : "أن يكون ولاؤه أولاً وآخراً للبنان"

عاد بي هذا النص الى منتصف الثمانينات من القرن الماضي . فقد دار حديث بين اثنين من رجالات لبنان هما الرئيس سليم الحص والمرحوم الشيخ بيار الجميل في منزل الأخير في بكفيا ، وكنتُ ثالثهما. كان ذلك في اثناء الفتنة الدامية التي عصفت بلبنان . وكانت مناسبة اللقاء مواساة الشيخ بيار بمناسبة وفاة شقيقة له

قال الرئيس الحص : يا شيخ بيار ، متى تتحقق المساواة بين اللبنانيين ؟ ومتى يعامل كل مواطن على أساس ما يتمتع به من خبرة ومعرفة وكفاءة ويتقلد المواقع الرسمية التي تؤهله للخدمة العامة ، فيكون أفضل عسكري قائداً للجيش ، وافضل مصرفي حاكماً للبنك المركزي ، وأفضل قاضي رئيساً لمجلس القضاء ، وأفضل سياسي رئيساً للحكومة؟ الخ .. فردّ الشيخ بيار بعفوية صادقة متسائلاً : ولكن ماذا عن الولاء ؟

لا أذكر انني رأيت الرئيس سليم الحص منزعجاً كما أزعجه وأغضبه هذا الجواب ، مما أوحى به من تشكيك في أقدس مقدسات المواطنة
وللمناسبة ، أودّ التذكير بأن الثوابت الاسلامية التي اعلنها من دار الفتوى (قبل مؤتمر الطائف بعدة سنوات) القياديون المسلمون الروحيون والسياسيون ومن مختلف المذاهب، كانت أول صوت يجهر بالإيمان بأن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه . وأن الولاء الوطني، كل الولاء الوطني له وحده ، وان المحافظة على أسس وقواعد العيش المشترك تتقدم على كل ما عداها

كان الهدف من وراء اعلان هذه الثوابت هو التأكيد على الخروج من الولاء للطائفة (أو المذهب) الى الولاء للوطن والتأكيد على إن الإيمان بلبنان وطناً .. ووطناً نهائياً يعني الولاء له .. ولاءً نهائياً أيضاً

وعلى ان الإيمان بلبنان الدولة ، يعني الولاء لمؤسساته الدستورية التي تمارس السلطات من خلالها . كما يعني الوكالة الحصرية للدولة في استخدام القوة المسلحة . وعلى ان الولاء للبنان الرسالة ، يعني الالتزام بكل المضامين التي تقول بها القاعدة الميثاقية "بأن لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك

ان احترام هذه الثوابت والالتزام بها يتماهى مع ما ورد في بنود الوثيقة المسيحية حول شرعة العمل السياسي ويتكامل معها . الأمر الذي يجعل منها وثيقة وطنية عابرة للطوائف

No comments:

Post a Comment